عاجل
٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأحد، 14 يونيو 2026
الرياض +19°C

الاحتجاجات السورية 2026: بين تاريخ الصراعات وتحديات الحكومة الانتقالية

14/06/2026 07:02

تُظهر خريطة الاحتجاجات التي انتشرت في سوريا خلال عام 2026 تقاطعًا واضحًا مع الخطوط التاريخية التي أسست للصراع السياسي في البلاد على مدار قرنٍ كامل. هذه الخطوط تشمل التوتر بين السلطة المركزية ومناطقها الطرفية، والتقلبات الاقتصادية، والصراع بين المجتمع المدني المتخصص والهيمنة الحكومية، وكذلك الصعوبة المستمرة في موازنة التحرير الاقتصادي مع الاستقرار السياسي.

التحديات المتعددة التي تواجه الحكومة الجديدة

تجد الإدارة الانتقالية نفسها الآن أمام عدة مهام متزامنة تتطلب تدبيرًا دقيقًا. فمن جانب، يجب السيطرة على الأوضاع الاقتصادية المتردية، ومن جانب آخر التعامل مع دوائر انتخابية تتنافس على النفوذ. كما تسعى الحكومة إلى ترسيخ سلطتها وإعادة بناء مؤسسات الدولة من الصفر، في ظل تكاليف إعادة الإعمار التي تُقدّر بمبلغ يقارب 216 مليار دولار. حتى دولة ذات خبرة مؤسسية واسعة وموارد وفيرة قد تجد هذه المهمة صعبة المنال.

الاحتجاجات كنتيجة متوقعة للمرحلة الانتقالية

إنّ هذه المظاهرات لا تُعدّ حدثًا مفاجئًا أو انحرافًا عن مسار تاريخي، بل هي نتيجة متوقعة لمرحلة انتقالية معقدة عقب الصراع، تتصادم مع تطلعات شعب كان يأمل في رؤية تقدم ملموس عقب سقوط نظام بشار الأسد في فترة قصيرة. وقد أظهر هذا السخط الشعبي مجموعة من الضعف الهيكلي داخل نظام الحكم السوري، وهي مشكلات قد تتحول على المدى المتوسط إلى تهديد لاستقرار البلاد يفوق في خطورته الاحتجاجات نفسها.

طبيعة الحراك الحالي

الموجة الحالية من الاحتجاجات لا تمثل حركة معارضة منظمة ولا حملة يقودها أنصار النظام السابق لتقويض السلطة الجديدة، ولا تُظهر علامات قريبة على انحدار سوريا نحو الانهيار. بل هي تعبير عن حيوية المجتمع ورغبة في مساءلة الحكومة عبر إحدى القنوات القليلة المتاحة، وهي التجمعات العامة. إن الغالبية العظمى من المتظاهرين ينتمون إلى الفئة الاجتماعية التي تدعم الحكومة، وتحديدًا الأغلبية العربية السنية.

من بين هؤلاء سائقون يرفعون علم الثورة مع احتجاجهم على السياسات الجمركية، ومزارعون في رقة يطالبون بالاعتراف بدورهم الحيوي في الأمن الغذائي من خلال اعتصام يحمل اسم “سنابل الكرامة”، وممرضات يطالبن بالمساواة في الأجور مع الأطباء الذين يشاركنهم ميدان العمل. هؤلاء لا يتحدون النظام الانتقالي، بل يرون في نجاحه مصلحة مباشرة لهم، لذا يطالبون بتمثيل أوسع في عملية اتخاذ القرار وتحقيق مكاسب ملموسة تعكس تطلعاتهم.

استجابة الحكومة وتوقعات المستقبل

حتى الآن، تعاملت الحكومة مع هذه المظاهرات بنوع من التسامح، وفي بعض الحالات أبدت استعدادًا لتقديم تنازلات أو الاستجابة لبعض المطالب. يمثل هذا تحولًا نوعيًا بالمقارنة مع أسلوب التعامل الذي ساد في دمشق خلال العقود الخمسة الماضية، وإن كان هذا التحسن لا يزال محدودًا. الخطر الحقيقي في المستقبل لا يكمن في انهيار مفاجئ أو انقسام حاد، بل في تآكل تدريجي للسلطة إذا ما استمر الاتجاه الحالي.

في حال تحقق هذا السيناريو، قد تجد الحكومة نفسها غير قادرة على إحداث تحسن اقتصادي واضح، مع ميل متزايد إلى تركيز السلطة. هذا سيجعل تصحيح المسار أكثر صعوبة، حيث ستتحول الاستجابة إلى معالجة ظرفية لكل أزمة على حدة، مما قد يؤدي في النهاية إلى تآكل القاعدة الشعبية وتراجع صبر الجمهور.

المصدر: معهد واشنطن

للنشر و الاعلان