عاجل
٣ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

حرفي حَلَبي يُحافظ على فن النقش على المعادن ويُوظّف التكنولوجيا لإنقاذه من الاندثار

14/09/2026 07:15

ما يزيد على نصف قرن أمضاه الحرفي السوري محمد أشتر في مدينة حلب شمالي سوريا يسعى خلالها إلى الحفاظ على حضور فن النقش على المعادن، الذي بدأ رحلته معه منذ الطفولة ثم تحوّل عبر العقود إلى مهنة تزاوج بين دقة العمل اليدوي وروح الفن وجمال التصميم.

واستطاع أشتر أن يستثمر موهبته في الرسم داخل أعماله المعدنية، فحوّل المعادن من مجرد مادة صناعية إلى وسيلة للرسم والكتابة والزخرفة، وأنجز أشكالاً فنية متنوعة.

بداية المسيرة عام 1975

تعود انطلاقة مسيرته المهنية إلى عام 1975، حين تلقى تعليماً في الرسم والنحت في معهد “فتحي محمد” للفنون التشكيلية في حلب. وبعد أن أتم دراسته، عمل إلى جانب حرفيين من الأرمن، حيث تعلّم صناعة القوالب، وهي مهارة أتاحت له توسيع نطاق عمله والانتقال بين مجالات متعددة تتطلب دقة في التصميم والتنفيذ.

ومنذ ذلك الحين، راكم أشتر خبرة واسعة في صناعة أنواع مختلفة من القوالب والأعمال الزخرفية، مثل القوالب البلاستيكية والخشبية، وإطارات الصور واللوحات، إضافة إلى الزخارف المستخدمة في المجالس العربية في بعض دول الخليج.

ولا ينظر أشتر إلى القالب باعتباره مجرد أداة تُستخدم في إنتاج قطعة أخرى، بل يمنحه جانباً فنياً من خلال تصميم الزخارف والنقوش التي تحمل ملامح من البيئة التي نشأ فيها.

زخارف حلب القديمة مصدر إلهام

ويستلهم في كثير من تصميماته من الزخارف الموجودة في أسواق حلب التاريخية ومساجد المدينة، التي تضم، بحسب وصفه، نماذج زخرفية غنية وجميلة.

ويحاول الحرفي السوري من خلال الجمع بين التصميم اليدوي والتقنيات الحديثة أن يحافظ على مهنته ويواصل إنتاج أعماله، إذ يقوم بإعداد بعض النقوش والتصاميم يدوياً قبل الاستفادة من تقنيات الآلات في تكرارها وإنتاجها.

وفي حديث مع وكالة الأناضول، استعاد أشتر بدايات علاقته بالفن، موضحاً أن اهتمامه بالرسم والنقش بدأ منذ مرحلة الطفولة، ثم تطوّر تدريجياً مع تعليمه الفني وخبرته العملية. وأضاف: “أستمد جميع التصميمات من المساجد والآثار التاريخية. توجد في حلب أسواق قديمة كثيرة، وهذه الأسواق تحوي زخارف قوية وجميلة جداً”.

وتشكل هذه الزخارف بالنسبة إليه مصدراً متواصلاً للأفكار، إذ يحاول إعادة توظيفها في أعماله بطريقة تتناسب مع احتياجات الزبائن والمنتجات التي يعمل عليها، مما يسمح باستمرار حضور العناصر الفنية المستمدة من التراث المحلي في أعمال معاصرة.

العمل اليدوي لا يزال حاضراً

ويؤكد أشتر أن العمل اليدوي لا يزال يحتل مكانة أساسية في مهنته رغم استخدام الآلات بكثرة في كثير من مراحل الإنتاج. ويوضح أن القوالب تُصنع بأحجام وأشكال مختلفة وفق طلبات الزبائن، وتبدأ العملية بإعداد نموذج خشبي قبل الانتقال إلى مرحلة صب البرونز. وبعد ذلك تمر القطعة بمراحل تشمل الخراطة والرسم والنقش وصولاً إلى الشكل المطلوب.

وبحسب أشتر، يُنفّذ جزء من عملية النقش يدوياً فيما تُستخدم الآلات في جزء آخر من العمل، غير أن استخدام التكنولوجيا لا يلغي دور الحرفي، إذ تحتاج الأعمال التي تستخدم فيها الآلات أيضاً إلى تدخل يدوي في مراحلها النهائية. وهذا المزج بين الأدوات التقليدية والتقنيات الحديثة يتيح له تنفيذ أعمال متنوعة مع الحفاظ في الوقت نفسه على الجانب الحرفي الذي اكتسبه خلال أكثر من خمسة عقود من العمل.

مستقبل الحرفة وأمل التعلم

ويقول أشتر إنه أصبح من بين القلة النادرة من الحرفيين الذين لا يزالون يمارسون هذه المهنة في سوريا، معرباً عن أمله في أن يتجه الشباب إلى تعلمها حتى لا تنقطع سلسلة انتقال الخبرة من جيل إلى آخر. ويضيف: “أتمنى أن يأتي الشباب ليتعلموا هذا العمل، لأنه ربما لا يوجد الآن في عموم سوريا شخص آخر غيري يمارس هذه المهنة”.

ويشير إلى أن أعمال الورشة لا تقتصر على نوع واحد من القوالب أو المنتجات، بل يقوم بإنتاج أعمال مختلفة وفق احتياجات الزبائن وطبيعة الطلبات التي يتلقاها مهما كان تنفيذها صعباً.