عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +19°C

هل تعيد الشركات الاستشارية صدى ظاهرة "الفناريين" في العصر الحديث؟

16/06/2026 07:02

يُعَدّ التاريخ سجلًّا لتجارب الأمم، يجمع بين انتصاراتها وإخفاقاتها، وهو ما عبّر عنه المؤرخ ابن خلدون بقوله إنّ الماضي يشبه المستقبل بقطرة ماء بقطرة ماء. وبنفس الروح، صاغ الروائي مارك توين فكرة مماثلة عندما أشار إلى أن التاريخ لا يتكرر حرفيًا، لكنه غالبًا ما يلتقط ألحانًا متقاربة.

التاريخ كدورة متكررة

ليس من الدقة القول إنّ التاريخ يُعاد بنفس التفاصيل؛ فالأشخاص والظروف لا يعودون كما كانوا، ولا تتكرر الأحداث بصورة مطابقة. ما يُعاد هو نمط أو سيناريو يتجدد بأسماء وأزمان مختلفة. لهذا السبب، لا يقتصر تحليل الماضي على سرد الوقائع، بل يهدف إلى استكشاف الدورات المتكررة التي تؤثر في صعود الدول وهبوطها.

نماذج سابقة للنفوذ الخارجي

من بين الظواهر التي تجسّدت عبر العصور، تبرز مسألة التدخل الخارجي داخل مؤسسات الدولة، سواء عبر أفراد أو جماعات أو مستشارين أو نخب اقتصادية وإدارية، وما ينتج عنها من تبعات سياسية ومؤسسية بعيدة المدى. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، برزت طبقة من النخب اليونانية المسيحية المعروفة بـ«الفناريين»، نسبة إلى حي الفنار بالقسطنطينية. شغل هؤلاء الفناريون مناصب إدارية ودبلوماسية حساسة في الإمبراطورية العثمانية، من الترجمانة إلى ولاة الإمارات الدانوبية.

على الرغم من أن وجودهم ساهم في نقل خبرات إدارية ودبلوماسية، فإن توسّع نفوذهم أثار استياء فئات واسعة من المجتمع النخبوي المحلي، الذي رأى في ذلك مظاهر للمحسوبية والفساد وربطًا بمصالح خارجية. مع تصاعد الحركات القومية، تحول نفوذ الفناريين إلى رمز لضعف الدولة العثمانية وتراجع قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية، ما أسهم في تصاعد التوترات السياسية والقومية، وصولًا إلى الثورة اليونانية عام 1821 وتفكك النفوذ العثماني في البلقان.

نجد مثالًا آخر في الإمبراطورية الرومانية الغربية خلال القرنين الرابع والخامس، حين انخفضت القوة الرومانية وبدأت شخصيات من “البرابرة” والجرمان يشغلون مناصب سياسية وإدارية رفيعة. لم يقتصر تأثيرهم على المجال العسكري فحسب، بل امتد إلى صنع القرار وإدارة المقاطعات والوصاية على الأباطرة. أبرز هذه الشخصيات ريكيمر، الذي كان له دور محوري في تعيين وعزل الأباطرة، وأودواكر الذي أنهى فعليًا حكم الإمبراطور رومولوس أوغستولوس عام 476 م. لم يكن هذا التحول مجرد تغيير عسكري، بل انعكاس لتآكل السلطة المركزية وانتقال مراكز النفوذ إلى قوى جديدة تملك أدوات الإدارة.

وفي الصين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تجلّى النفوذ الخارجي بصورة اقتصادية وإدارية أكثر من كونه سياسيًا مباشرًا. فرضت القوى الغربية والشرقية معاهدات غير متكافئة منحت الأجانب سيطرة واسعة على قطاعات حيوية مثل الجمارك والسكك الحديدية والتجارة الدولية، مما أضعف السيادة المالية للإمبراطورية الصينية وأضعف شرعية النظام في أعين شرائح واسعة من المجتمع. ساهمت هذه التدخلات في تمهيد الطريق للثورة الشنغهايية عام 1911 وسقوط سلالة تشينغ.

العامل المشترك في جميع النماذج

ما يجمع بين هذه الحالات ليس مجرد وجود أجانب، بل الاعتماد المفرط للدولة على قوى أو نخب خارجية لإدارة شؤونها. كشف هذا الاعتماد عن مشكلات أعمق سابقة، مثل ضعف المؤسسات، وتراجع كفاءة النخب المحلية، وغياب المساءلة، ما جعل النفوذ الخارجي يعمل كعامل مسرّع للأزمات بدلًا من كونه السبب الوحيد.

الشركات الاستشارية كنسخة معاصرة؟

في ظل هذا السياق التاريخي، يطرح سؤال حول ما إذا كانت بعض الشركات الاستشارية العالمية تمثل النسخة الحديثة لتلك الظاهرة. لا إنكار لأهمية هذه الشركات في نقل الخبرات وبناء القدرات وتطوير السياسات العامة، إذ أن الاستفادة من الخبرات الدولية أصبحت ممارسة شائعة بين الدول المتقدمة والناشئة على حد سواء.

إلا أن الإشكالية تظهر عندما تتحول هذه الكيانات من دور استشاري تقني إلى فاعل مؤثر في تشكيل شبكات النفوذ وصناعة القرار، وتوجيه التعيينات والمسارات المهنية داخل المؤسسات. لا يمكن افتراض أن جميع الشركات الاستشارية تنحصر في العقود التجارية والأتعاب المهنية؛ فمثل أي مؤسسة عابرة للحدود، قد تحمل أجندات خفية ومصالح مؤسسية طويلة الأمد، وشبكات نفوذ وأولويات استراتيجية تدفع بعضها إلى توسيع تأثيره إلى ما يتجاوز نطاق المهمة الرسمية.

من خلال تجارب عدة في المنطقة، يمكن تمييز ثلاثة أنماط متكررة تظهر في بعض الشركات الاستشارية الأجنبية:

  • النمط الأول يعتمد على كوادر محدودة الخبرة لإدارة مشاريع استراتيجية ضخمة، ويظهر فجوة واضحة بين مستوى الكفاءات في المقرات الرئيسية وتلك المرسلة إلى المنطقة.
  • النمط الثاني يشمل مستشارين يمتلكون خبرات، لكنهم يستخدمونها في “هندسة العلاقات” وتأمين النفوذ. يلاحظ أن بعض الموظفين المحليين يتبعون هؤلاء المستشارين أكثر من مديريهم، مدفوعين بالوهم بأنهم سيفتحون أمامهم أبوابًا للترقية.
  • النمط الثالث يُظهر ما يُسمى “واجهة التوطين”، حيث توظف الشركات أبناء المنطقة تحت شعارات تدريب الكوادر، لكن غالبًا ما تُستَخدم كوجوه محلية مطيعَة، تُسهم في تمرير خطط الشركة دون اعتراض علمي.

هذه الظواهر لا تعني رفض الاستفادة من الخبرات الأجنبية أو التعاون الدولي. فخبراء حقيقيون قادرون على إضافة قيمة حقيقية عندما تُوظَّف خبراتهم في حل مشكلات محددة. الفرق يكمن بين الاستعانة بخبير متخصص وبين بناء شبكات نفوذ تتجاوز الدور الاستشاري لتؤثر في القرارات والتعيينات وتوجيه السياسات.

في السنوات الأخيرة، حصلت بعض الشركات الاستشارية على عقود بمليارات الدولارات في المنطقة، إلا أن أثرها التنموي أو المؤسسي غالبًا ما يكون غير متناسب مع حجم الإنفاق. كثيرًا ما تُختتم المشاريع بنتائج مخيبة للآمال أو إخفاقات تشغيلية واضحة، ما يثير تساؤلًا حول ما إذا كنا نشهد نسخة حديثة من ظاهرة “الفناريين” التي عُرفت في التاريخ.

التشبيه قد يبدو قاسيًا، لكن الفكرة تستحق التأمل. الفناريون، رغم الجدل حول دورهم، كانوا يحملون قدرات إدارية ودبلوماسية متميزة. بالمقابل، قد يفتقر بعض المستشارين في الشركات الحديثة إلى الجمع بين الكفاءة العملية والواقعية، فيُقدِّمون نماذج نظرية بعيدة عن الواقع المحلي وتطرح مبادرات تفتقر إلى الفهم العميق للبيئة التي يُطبقون فيها.

الخلاصة أن الاستفادة من الخبرات العالمية لا تُعدّ سلبية بحد ذاتها؛ فالانفتاح على التجارب الدولية أمر ضروري. إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بين استدعاء خبير لسد فجوة محددة في إطار سيادي، وبين تسليم مفاتيح التخطيط المستقبلي لشبكات مصالح أجنبية ذات أجندات متشابكة. إن قراءة التاريخ بتمعّن قد تقي الحاضر من الوقوع في دوائرٍ متكررة.

للنشر و الاعلان