عاجل
٣ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

دمشق.. بستاني وحيد يزرع الأمل بين ركام حي جوبر

16/09/2026 08:06

في حي جوبر بدمشق، حيث تتكوم الأنقاض وتتناثر شظايا الماضي، يجلس محمد زيدان (62 عاماً) وحيداً بين جدران منزله المتهدمة. اختار الرجل أن يواجه المشهد القاتم بلمسات خضراء، فحوّل جزءاً من باحة المنزل المدمر إلى حديقة صغيرة تروي قصة صبر وألم.

فقد زيدان ابنه سمير خلال سنوات الحرب، ثم تبعته زوجته التي لم تتحمل الحزن على ولدها. وبين بقايا المنزل الذي انهارت طوابقه الخمسة فوق رؤوسهم، وجد الرجل في الزراعة وسيلة للحفاظ على ذكراهما، ولو بنبتة تروي عطش الحياة.

نباتات وسط الركام

في حديثه لوكالة الأناضول، يقول زيدان إن النباتات التي يزرعها وسط الأنقاض تمثل له سبيلاً للتمسك بذكرى ابنه وزوجته، وفي الوقت نفسه تنظر إلى المستقبل ببعض الأمل. ويضيف: “هذا الزرع يغير قليلاً من مشهد الأنقاض هنا. هذه الخضرة تشرح صدر الإنسان قليلاً”.

لا تقتصر زراعته على نباتات الزينة، بل تشمل الخضروات مثل النعناع والباذنجان والفلفل والبصل والكزبرة، إلى جانب التين والزيتون. ويصف عنايته بها بقوله: “نرش عليها قليلاً من الماء، ونزرعها، وأحياناً نأكل من ثمارها. أحاول فقط تغيير المشهد”.

وبالنسبة لزيدان، لا يتعلق الأمر بالحصاد بقدر ما يتعلق بالأثر النفسي. فوسط الدمار، أصبحت رعاية النباتات جزءاً من استعادة إحساس افتقده خلال سنوات الحرب. ويشرح: “رؤية الطرق تعود إلى العمل من جديد، ورؤية الناس يعملون، ووجود الأمن، ووجود الخضرة، ورؤية كل شيء يعود إلى الوجود من جديد، كل ذلك يجعلني أشعر بتحسن نفسي”.

ويربط زيدان النباتات بذكريات أسرته: “كانت زوجتي وابني يحبان هذه النباتات. لذلك واصلت زراعتها من أجلهما”.

حتى لا تضيع الذكريات

لم يكن الدمار مجرد مشهد بعيد، بل عاشه زيدان داخل منزله. تعرض المنزل لقصف شديد خلال الحرب، ويختصر ما حدث: “انهارت خمسة طوابق فوقنا، كلها تهدمت”. بين الركام، عثر على بعض الأدوات والمقتنيات المنزلية، فاحتفظ بها ليس لقيمتها المادية بل لأنها تحمل ذكريات من حياة مضت. ويقول: “تركتها كتذكار حتى لا تضيع هذه الذكريات، وحتى أواصل الحياة مع ذكرى من فقدت”.

رحلة طويلة للبحث عن الابن

غير أن أصعب ما مر به زيدان كان فقدان ابنه سمير. يقول إن أصعب حادثة عاشها كانت اعتقال ابنه في 31 ديسمبر 2012. وعلمت الأسرة لاحقاً أن سمير شوهد للمرة الأخيرة عند حاجز نهر عيشة في دمشق، ثم انقطع أي خبر عنه. ومنذ ذلك الوقت، بدأت رحلة بحث طويلة، لم تترك الأسرة مكاناً إلا وتوجهت إليه.

خلال حكم النظام المخلوع، تلقوا معلومات عن مراكز احتجاز مختلفة لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى ابنهم. وكانت الأسرة تعتقد أنه موجود في سجن صيدنايا، وظلت متمسكة بالأمل. ومع سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، والإفراج عن المعتقلين، عاد الأمل من جديد. بحثت العائلة في حي العباسيين وسجن صيدنايا وساحة الأمويين، لكنهم لم يجدوه.

ثم جاء الخبر الذي أنهى الانتظار لكنه فتح جرحاً آخر: “تلقينا خبر وفاة ابني. وبعد بضعة أيام توفيت زوجتي من شدة حزنها عليه”.

الحديقة كمساحة للذكرى والأمل

بعد فقدان ابنه ثم زوجته، وجد زيدان نفسه وحيداً في المكان الذي شهد جزءاً كبيراً من حياته، محاطاً بأنقاض الحرب وأشياء قليلة بقيت من الماضي. من بينها إناء تركته زوجته واخترقته شظية، فاحتفظ به واستخدمه لزراعة النباتات بدلاً من التخلص منه، ليصبح الإناء الذي يحمل أثر الحرب وعاءً تنمو فيه الحياة.

واصل زراعة باحة منزله بالنباتات، محاولاً إضفاء بعض اللون والحياة على المكان الذي خلفت فيه سنوات القصف آثاراً عميقة. ويقول إن هذا العمل البسيط كان له أثر نفسي واضح، فكل نبتة تحتاج إلى الماء والرعاية، وكل مساحة خضراء تظهر بين الأنقاض تمنحه إحساساً بأن الحياة يمكن أن تعود مرة أخرى. ويضيف: “أشعر الآن وكأنني ولدت من جديد. وكأننا بدأنا نعيش من جديد”.

ولا يتحدث الرجل عن نفسه فقط، بل ينظر إلى الجيل الذي نشأ خلال الحرب، معرباً عن أمله في أن يتمكن الشباب من مواصلة حياتهم بأمان، وأن ينظر الجيل الجديد إلى المستقبل بأمل.