عاجل
الأحد، 18 أكتوبر 2026٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 22°C

احتجاجات في 5 دول أوروبية.. مطالب معيشية وتعليمية تتصادم مع سياسات التقشف

18/10/2026 16:41

تتزايد الاحتجاجات الاجتماعية في دول أوروبية عدة، حيث تلتقي مطالب رفع الأجور وتحسين الخدمات العامة مع خلافات حول أولويات الإنفاق الحكومي، ما يدفع فئات واسعة من المواطنين إلى النزول إلى الشوارع في فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا.

على الرغم من تباين دوافع الاحتجاجات وأهدافها بين هذه الدول، تشترك جميعها في خلفية واحدة: نقاشات الموازنات الحكومية وسياسات التقشف وإدارة الاستثمارات التي تغذي موجة الغضب الشعبي.

مشهد متصاعد من المطالب

في تحليله لهذه التحركات، يرى الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر أن الأزمات المتراكمة هي التي تفسر تحول الاحتجاجات من مطالب فئوية محدودة إلى تحركات شعبية أوسع، معتبراً أن طريقة تعامل الحكومات مع هذه المطالب ستكون عاملاً حاسماً في تحديد مسارها المستقبلي.

من جانبها، ترى أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري أن جذور هذه الاحتجاجات تكمن في إخفاق الدول في الوفاء بالتزاماتها بحماية الحقوق الاقتصادية والسياسية للمواطنين، مشددة على ضرورة تبني الحلول السلمية في التعامل مع المحتجين.

في فرنسا، قدر الاتحاد العام للعمل “سي جي تي” عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 800 ألف شخص، بعد أن التقى المطالب الطلابية والمعيشية مع الاعتراض على مشروع موازنة 2027. ووفقاً لبيان حزب “فرنسا الأبية” الصادر في 15 أكتوبر، بدأت الدعوة إلى التحرك من مواطنين معترضين على أسعار الوقود، ثم انضمت إليها اتحادات نقابية ومنظمات طلابية. وكان نقص العاملين واكتظاظ الفصول الدراسية ومشكلات المؤسسات التعليمية في صلب الاحتجاجات الطلابية، وفق ما ورد في بيان سابق لـ”سي جي تي”.

بعد مظاهرات السبت، دعا الاتحاد إلى زيادة الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، والاستجابة لمطالب الشباب، ورفض إجراءات مالية يعتبرها ستزيد الضغط على الخدمات العامة. في المقابل، يتضمن مشروع موازنة العام المقبل إجراءات لضبط المالية بقيمة 54 مليار يورو لخفض العجز إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية. وتدافع الحكومة عن المشروع باعتباره يحافظ على الإنفاق ذي الأولوية في ظل ارتفاع أعباء الدين، بينما يطالب اتحاد العمل بمساهمة أكبر من أصحاب الثروات والشركات.

إثر أعمال نهب وتخريب قام بها محتجون، أصدرت بلدية باريس بياناً مساء السبت أكدت فيه أن هذه الأفعال “يجب ألا تُخلط بأي حال بتعبئة الغالبية العظمى من المتظاهرين” الذين خرجوا سلمياً. ووصف رئيس البلدية إيمانويل غريغوار، في بيان، العنف بأنه يصرف الانتباه عن مطالب الشباب، معلناً تعبئة خدمات البلدية لإصلاح الأضرار.

أزمات متراكمة وتحديات حكومية

خلف المشهد الفرنسي، يضع شاكر، في حديثه للأناضول من فيينا، أزمات السكن والتعليم والبنى التحتية وجودة الرعاية الصحية ضمن مقدمات الغضب، إضافة إلى ما يعتبره اختلالاً في أولويات الإنفاق الحكومي. فصعود الإنفاق العسكري والدفاعي والأمني يقابله، في تقديره، تضاؤل القدرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية ودعم تكاليف المعيشة.

وعن اتساع المشاركة، يرى شاكر أن خروج فئة للاعتراض على قضية مطلبية محددة قد يحرك فئات أخرى، مستشهداً بتحركات تلاميذ الثانويات في فرنسا واتساع المشاركة بعدها. تعدد الملفات المطلبية يتيح، بحسب شاكر، تحولها إلى حركة من التظاهر العام، كما حدث مع اتساع المشاركة في فرنسا. وفي مقدمة ملفات الاحتجاج يأتي السكن، الذي يصفه شاكر بأنه “معضلة حقيقية” في بعض الدول، بينما قد تشكل تكاليف الطاقة محفزاً إضافياً للتحرك، لامتداد أثرها إلى أسعار سلع وخدمات متعددة.

يمثل المشهد الفرنسي، بالنسبة إلى شاكر، امتداداً لموجات غضب سابقة، بينها تحركات “السترات الصفراء” التي انطلقت في نوفمبر 2018 رفضاً لزيادة الضرائب على الوقود، ولم تُعالج بعض جذورها، في وقت تحد فيه صعوبات الموازنة والخيارات التقشفية من قدرة الحكومة على احتوائها.

البرتغال: فجوة بين العرض الحكومي والمطلب النقابي

في البرتغال، تكشف الأرقام المسافة بين العرض الحكومي والمطلب النقابي. فعند تقديم مشروع موازنة 2027 في 8 أكتوبر الجاري، أعلنت الحكومة رفع الحد الأدنى الوطني للأجور إلى 970 يورو العام المقبل، مقابل مطالبة الاتحاد العام للعمال برفعه إلى 1100 يورو. وتشمل المطالب النقابية أيضاً زيادة عامة للأجور بنسبة 15 بالمئة، وبما لا يقل عن 150 يورو.

بينما تقدم الحكومة التخفيضات الضريبية وزيادات أجور موظفي الإدارة العامة باعتبارها وسائل لتعزيز دخل الأسر وتحسين الخدمات، يطالب الاتحاد باستجابة أوسع للغلاء. تُرجمت هذه المطالب إلى مظاهرات، السبت، في مدن لشبونة وبورتو وكويمبرا، شارك فيها آلاف العمال، وفق الاتحاد.

خلال مظاهرة لشبونة، تساءل الأمين العام للاتحاد تياغو أوليفيرا عن كيفية العيش براتب ألف يورو مع إيجار يبلغ 800 أو 900 يورو، إضافة إلى الوقود والسلع الأساسية. في سوق السكن، ارتفعت أسعار شراء المساكن بالبرتغال 16.5 بالمئة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، مقابل متوسط أوروبي بلغ 4.7 بالمئة، بحسب مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”.

بلجيكا وإيطاليا وألبانيا: مطالب متقاطعة وتحركات متصاعدة

في بلجيكا، تمثل حماية القدرة الشرائية أحد محاور التعبئة النقابية، إذ حذر الاتحاد العام للعمل “إف جي تي بي” من تحميل العاملين والمتقاعدين أعباء إضافية لسد عجز الموازنة. شهدت بروكسل في 9 أكتوبر الجاري مظاهرة شارك فيها نحو 30 ألف شخص، بينهم عمال وموظفون وتلاميذ وطلاب، بدعوة من تحالف النقابات العمالية وأحزاب سياسية.

في بيان صدر في 11 سبتمبر الماضي، حدد الاتحاد العام للعمل اعتراضاته في المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الخدمات الصحية وتغيير تنظيم وقت العمل. البديل الذي يطرحه يشمل مساهمة أكبر من الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال، مع التلويح بإضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفها بـ”الخطوط الحمراء”.

في إيطاليا، جمعت دعوة تحالف “الطريق الرئيسي”، الذي يضم نقابة “سي جي آي إل” وأكثر من مئة جمعية، إلى مسيرة روما يوم 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية ورفض تحويل الاقتصاد إلى “اقتصاد حرب”. ضمت قائمة المطالب زيادة الأجور ومواجهة عدم استقرار العمل والدفاع عن الخدمات العامة ونظام ضريبي تصاعدي. السبت، شهدت عدة مدن إيطالية مسيرات واحتجاجات واسعة النطاق احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وتراجع الرعاية الصحية العامة.

على صعيد أساليب الاحتجاج، انتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي، عبر بيان في 16 أكتوبر، عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في جنوة. ومع تأكيده حق التظاهر، اعتبر بوتشي تلك الممارسات تجاوزاً للحدود.

في ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا السبت يوماً خامساً من مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، مع مطالبة المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، الذي تعهد الاستماع لمطالبهم مع تحذيره من تعريض البلاد للخطر. يمتد جانب من خلفية التصعيد في ألبانيا إلى الخلاف بشأن مشروعات سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية، وما يحيط بها من نزاعات تتعلق بالملكية والبيئة والشفافية.

رداً على الجدل، نفى راما، عبر بيان في 15 يونيو الماضي، أن تكون جزيرة سازان معروضة للبيع، موضحاً أن الصيغة المقترحة تقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بملكية الجزيرة. أقر بوجود مطالبات متنازعة بملكية أراض معروضة على القضاء، مع الدفاع عن الإجراءات الحكومية والبيئية المتبعة. ثم أعلن راما، في 3 أكتوبر، إطلاق منصة لنشر وثائق الملف، قائلاً إن المبادرة جاءت بدفع من احتجاج بدأ مطلع يونيو الماضي.

مع المواجهات الأخيرة، أدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات، مؤكدة أن حق الاحتجاج السلمي لا يبرر العنف. في المقابل، دفع فيديو لشاب مصاب إلى فتح تحقيق في طريقة تعامل عناصر الشرطة معه قرب البرلمان. وبحسب بيان الشرطة، يظهر في المقطع شاب (19 عاماً) مصاباً في ساقه أثناء اقتياده، وقد أُوقف أربعة عناصر ومسؤول للنظام العام عن العمل، مع بدء تحقيق تأديبي وتحقيق بالتعاون مع النيابة.

من واجبات الدولة تجاه السكان تنطلق الحموري في قراءتها للاحتجاجات، معتبرة أن معالجتها تتطلب النظر إلى أسبابها الاقتصادية إلى جانب إدارة الشارع. قالت للأناضول إن “على الدولة واجب حماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين من خلال ضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم لمواطنيها”. تفاوت الحصول على الخدمات، خصوصاً لدى الأسر الأقل دخلاً وذوي الخلفيات المهاجرة، يعكس في تقديرها تقصيراً في الوفاء بهذه الواجبات.

إلى جانب ذلك، تضع الحموري حق التعبير عن الرأي ومحاسبة السلطات ضمن الحقوق السياسية التي تتيح للمواطنين الاعتراض عندما لا تفي الدولة بالتزاماتها. على المستوى الأوسع، تربط اتساع التحرك الشبابي في أكثر من دولة أوروبية ببنية اقتصادية تعتبر أنها تهمش الطبقات العاملة. أما في التعامل الأمني، فتشدد على ضرورة اللجوء إلى وسائل سلمية، من بينها التفاوض مع ممثلي المتظاهرين ومحاولة الوصول إلى حلول.

أما قمع التعبير عن المطالب، فيضيف وفق تقييمها مساساً بالحقوق السياسية إلى التقصير الذي تنسبه إلى السلطات في المجال الاقتصادي. ترى أن عنف الشرطة يتجه عادة بصورة أكبر نحو الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة. وشددت على أهمية “الوصول إلى حلول سلمية لا عنيفة مع المتظاهرين”، بالتوازي مع معالجة المطالب الاقتصادية.

تتيح منصات التواصل، بحسب شاكر، تنسيقاً أسرع للمجموعات الشبابية، حتى دون وجود أطر نقابية تقود تحركاتها. وقد يمتد أثر الاحتجاج إلى فئات أخرى داخل البلد نفسه أو خارجه، لكن طغيان مشاهد الصدام والغاز والأدخنة دون سياقات كافية يؤدي، بتعبيره، إلى “تشكيل صور مجتزأة عن الواقع”. لصور المواجهات أثرها في المزاج العام، وسيساهم في تحديد مسارها استجابة الحكومات وأهمية خاصة من سلوك الشرطة ولغة المسؤولين ومدى الاستعداد للحوار. غير أن التفاوض يواجه عقبة يختصرها بقوله إن “غياب وجود ممثلين حقيقيين وواضحين للمشهد الجماهيري سيعقد هذه المهمة”.

تخفيف التوتر يتطلب، في تقديره، حماية الاحتجاج السلمي واستجابات عملية للمطالب، إلى جانب مراجعة ما يعتبره اختلالاً في أولويات الإنفاق. تتجه نقابات إلى مواعيد جديدة للتعبئة؛ ففي فرنسا دعا “سي جي تي” إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل. وفي البرتغال، حدد الاتحاد العام للعمال تجمعاً أمام البرلمان في 24 من الشهر نفسه، بالتزامن مع الموعد المتوقع للتصويت النهائي على الموازنة. وفي بلجيكا، أبقى الاتحاد العام للعمل احتمال الإضراب العام في 23 نوفمبر مرتبطاً بخيارات الحكومة واستجابتها.