عاجل
٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 19 أغسطس 2026
الرياض +23°C

هندسة الضرورة في غزة: تحويل الأنقاض إلى موارد للبقاء

19/08/2026 13:02

من الركام إلى موارد البناء

من ركام المباني يصنع السكان قوالب للبناء، ومن طبليات المساعدات يصنعون أسرة وخزائن، ومن إطارات الأبواب يقاربون قوارب للصيد. وفي ظل ندرة الأخشاب والمعدات، يعيد مربو النحل إصلاح الصناديق المحطمة ويستخدمون ما يجدونه من مواد لإنقاذ مهنتهم. خلية نحل واحدة نجت من أصل ثلاثمائة كانت تملكها عائلة نيفين الأشقر في مخيم جباليا، وعثر فيها على نحو أربعة كيلوغرامات من عسل رغم حالتها السيئة.

وفقاً لتقرير صحيفة التايمز بتاريخ 19 أغسطس 2026، انخفض عدد مربي النحل من نحو ألف قبل الحرب إلى قرابة مئة، ودمرت أكثر من تسعة وتسعين بالمئة من منشآت القطاع. وقدرت رويترز عدد الخلايا الباقية بنحو سبعمئة من قرابة ثلاثين ألف خلية، وتراجع إنتاج العسل إلى عشرة بالمئة من مستواه السابق.

قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة حجم الركام في غزة بواحد وستين مليون طن، ما يعادل من حيث الحجم نحو quinze هرماً من أهرامات الجيزة. وأشار البرنامج إلى أن نحو خمسة عشر بالمئة من الأنقاض قد تكون ملوثة بالأسبستوس والمعادن الثقيلة والنفايات الصناعية والطبية، مع وجود ذخائر غير منفجرة بين المباني المهدمة.

أظهر أحدث دراسة لمركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية “يونوسات”، استناداً إلى صور التقطت في 11 أكتوبر 2025، أن نحو واحد وثمانين بالمئة من مباني القطاع تضررت، إذ أحصي centum وتسعة وثمانون ألفاً وسبعمئة وثلاثة وعشرين مبنى متضرراً، بينها مائة وثلاثة وعشرون ألفاً وأربعمئة وستة وأربعين مبنى مدمراً بالكامل، ووحدات سكنية متضررة تجاوزت ثلاثمئة وعشرين ألف وحدة.

مبادرات إعادة التدوير والطاقة البديلة

أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 عن مشروع نفذه خلال عامي 2025 و2026 جمع نحو مائة واثني عشر ألف طن من الأنقاض، وأعاد استخدام المواد المعالجة في صيانة الطرق وتقوية أرضيات المآوي. وتعمل كسارة تابعة للبرنامج في منطقة الأمل بخان يونس بطاقة تصل إلى ألف طن يومياً. يقدر البرنامج أن إزالة معظم الركام قد تستغرق سبع سنوات إذا توفرت الوقود والآليات الثقيلة وحرية الوصول واستقرار الأوضاع، بينما يحتاج بدء المسار الموسع إلى نحو مائة وعشرة ملايين دولار.

في ورشة أعيد تشغيلها بعد تعرضها للقصف، يقود سليمان أبو حسنين مشروع “غرين روك” الذي يعالج الركام ويعيده إلى هيئة قوالب بناء متشابكة تشبه قطع ليغو. تبدأ العملية بسحق الخرسانة وفرزها، ثم خلطها بالتربة المحلية ومواد رابطة بديلة، قبل ضغط الخليط في آلة مصنوعة محلياً. ولا تحتاج القوالب عند تركيبها إلى الملاط التقليدي، ما يقلل الاعتماد على الإسمنت النادر.

وفقاً لتحقيق نشرته مجلة WIRED في 17 مايو 2026، تنتج الورشة بين ألف وخمسمئة قالب يومياً، وهي كمية تكفي نظرياً لبناء مأوى صغير خلال نحو أسبوعين. ويقول القائمون على المشروع إن الكلفة تقل بما يتراوح بين خمسين وستين بالمئة مقارنة بالبناء التقليدي، لكن المشروع لا يزال تجريبياً ولم يُختبر بعد على مستوى إعادة بناء أحياء كاملة، ولا يمكن استخدام أي ركام قبل فحصه وعزل المكونات الخطرة وإزالة الذخائر غير المنفجرة منه.

يستخرج عمال آخرون قضبان الحديد من الأبنية المنهارة، ثم يقومون بتقويمها وإعادة استخدامها في إقامة هياكل للخيام والمسكن المؤقت، أو بيعها لتوفير دخل لأسرهم، وسعر القضيب الواحد قد يصل إلى خمسة عشر دولاراً وفق تقرير لرويترز.

الخشب أصبح سلعة نادرة إلى درجة أن النجارين يضطرون لتفكيك الطبليات التي تحمل المساعدات وتحويلها إلى أسرة وخزائن وطاولات ورفوف. وفي إحدى ورش خان يونس، تباع غرفة بسيطة مصنوعة من الطبليات بنحو أربعة إلى خمسة آلاف شيكل، مقابل نحو ثمانية عشر ألفا لغرفة تقليدية. وارتفع سعر كيلوغرام المسامير من نحو خمسة شواقل قبل الحرب إلى ما بين مائة وثلاثين وثلاثين شيكلاً، وفق رويترز.

السرير في مخيمات النزوح ليس قطعة أثاث كمالية؛ فهو يرفع الأطفال والملابس عن الأرض والرمال والقوارض والحشرات، ويمنح العائلات حداً أدنى من الحماية داخل الخيام.

وجد الصيادون استخداماً آخر للخشب المنتشل. ففي ورش غزة البحرية، تصل إطارات الأبواب الخارجة من تحت الأنقاض لتتحول إلى أجزاء من قوارب صغيرة، إلى جانب الألياف الزجاجية القديمة المعاد استخدامها. وكان كيلوغرام الألياف الزجاجية يكلف ما بين خمسين وستين شيكلاً قبل الحرب، لكنه وصل إلى نحو ثمانمائة شيكل، ما جعل إصلاح القوارب الكبيرة شبه مستحيل، ف تحولت قوارب النزهات الصغيرة إلى أحد آخر شرايين قطاع الصيد.

الطاقة الشمسية والبدائل الأخرى

في خان يونس، صنعت المهندسة الزراعية إيناس الغول موقداً شمسياً من صندوق خشبي وزجاج محطم ومرايا تجمع الأشعة داخل حيز الطهي. ويمكن نقل الموقد إلى أسطح المنازل أو مناطق النزوح واستخدامه للطهي والقلي من دون غاز أو كهرباء.

استخدمت الغول المواد نفسها تقريباً لبناء جهاز بدائي لتقطير المياه. يسخن ضوء الشمس الماء المالح داخل حوض مغطى بالزجاج، ثم يجمع بخار الماء بعد تكثفه ويمرره عبر أوعية تحتوي على الفحم النشط. ويعمل الجهاز من دون كهرباء أو ألواح شمسية، مستفيدا من نحو أربع عشرة ساعة من سطوع الشمس صيفاً وثماني ساعات شتاءً. لكن صلاحيته لتوفير مياه الشرب على نطاق واسع تحتاج إلى اختبارات مخبرية منتظمة، ولا يمكن اعتباره بديلاً عن محطات التحلية وشبكات المياه.

في أماكن أخرى، حلت الطاقة العضلية محل الكهرباء. فقد ربط الخياط رعد سعد عجلة دراجة هوائية بماكينة خياطة داخل بقايا مصنعه المدمر، ويتولى ابنه تحريك الدواسات بينما يقوم الأب بالخياطة. وظهرت الطريقة مجدّداً في ورش ترميم فساتين الزفاف القديمة خلال 2026.

وصلت هندسة الضرورة إلى غرف العمليات. فقد أعلن فريق فلسطيني بالتعاون مع منظمة “غليا” الطبية إنتاج مثبت خارجي للكسور داخل غزة، باستخدام مكونات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد ومواد محلية وبلاستيك معاد الاستخدام، فيما تعمل الطابعات بالطاقة الشمسية. وقالت المنظمة إن الجهاز استخدم منذ أغسطس 2025 لعلاج ثلاثة مصابين كانوا معرضين لخطر البتر أو العجز الدائم، بينما كان اثنا عشر مريضا آخرين ينتظرون العلاج وقت الإعلان. وتزيد كلفة الجهاز المستورد عادة على خمسمئة دولار، في حين يتيح التصميم المفتوح إنتاج أجزائه محليا خلال ساعات. وتظل هذه أرقام الجهة المطورة وتحتاج النتائج السريرية الأوسع إلى متابعة مستقلة.

وليس كل ما يُنتج من المخلفات آمنا. فقد وثقت رويترز تحويل النفايات البلاستيكية بالتسخين إلى وقود بدائي للمولدات والمركبات. ويوفر ذلك بديلا في حالات النقص الحاد، لكنه يعرض العاملين والسكان لخطر الحروق والأبخرة السامة، خصوصا إذا جرت العملية داخل الأحياء المكتظة ومن دون معدات لمعالجة الانبعاثات.

هذه النماذج لا تجعل الدمار فرصة اقتصادية، ولا تعني أن سكان غزة يستطيعون إعادة بناء القطاع بأدواتهم وحدها. فقد قدر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، نشر في فبراير 2025 واستند إلى أضرار أقدم من أحدث تقديرات الدمار، احتياجات التعافي والإعمار بنحو ثلاثة وخمسين مليار دولار.

إنها ليست معجزة تعفي العالم من مسؤولية الإعمار، بل شهادة على “هندسة الضرورة”: حين يغيب الوقود يصبح ضوء الشمس موقدا، وحين تختفي مواد البناء يصبح المنزل المدمر مصدرا للطوب والحديد، وحين تنقطع المعدات الطبية يتحول البلاستيك المستعمل إلى جزء من جهاز ينقذ ساقا من البتر.