عاجل
السبت، 24 أكتوبر 2026١٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 25°C

مهرجان العود التونسي في دورته الرابعة.. إرث موسيقي يسعى لاستقطاب جيل جديد

24/10/2026 12:14

بين أيادي الحرفيين الذين يشكلونه بأيديهم، وعازفين يمنحون أوتاره روحاً، يواصل العود التونسي مسعاه لتعزيز حضوره في الساحة المحلية، والبحث عن جيل جديد يحمل هذا الإرث إلى المنصات الفنية، في ظل تراجع الإقبال على تعلمه وتصنيعه.

من هذه الرغبة انطلقت فعاليات الدورة الرابعة من المهرجان الدولي للعود في مدينة تونس العتيقة، حيث تجمع بين حفلات موسيقية وورش عمل ومعارض وندوات أكاديمية، في محاولة لإعادة هذه الآلة إلى دائرة الضوء، وفتح قنوات للحوار مع تجارب موسيقية من خارج البلاد.

اختتام الدورة بحفل فلسطيني

تختتم الدورة، التي انطلقت في 16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مساء السبت، بحفل يحييه الثلاثي الفلسطيني جبران في مدينة الثقافة بالعاصمة تونس.

وخلال أيام المهرجان، تزاوج الاهتمام بالعود التونسي، بخصائصه التي تميزه عن نظيره المشرقي، مع الانفتاح على تجارب فنانين من تركيا ولبنان وفلسطين، إضافة إلى عروض تجمع العود بآلات أخرى كالبيانو.

استهلت الدورة فعالياتها بمعرض للعود التونسي والمشرقي، قدمه الحرفي الهادي بالأصفر والفنان أمين الخراط، وأعقبه حفل للفنان التونسي زياد غرسة، المعروف بعزفه على العود التونسي.

وتضمنت سهرة الافتتاح تكريم الهادي بالأصفر تقديراً لمسيرته في صناعة العود، إلى جانب ورشة حية عرفت الجمهور بمراحل تصنيع الآلة.

شراكات متنوعة لدعم الآلة التراثية

سهام بن تومي، مديرة النادي الثقافي “الطاهر الحداد”، الجهة المنظمة للمهرجان، أوضحت أن الدورة الرابعة أقيمت تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية والمندوبية الجهوية للثقافة، وبمساهمة من مؤسسات فنية وثقافية عديدة.

وذكرت بن تومي للأناضول أن الجهات المساهمة تشمل مسرح الأوبرا بتونس، والمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات، وإدارة الموسيقى والرقص، ومركز الموسيقى العربية والمتوسطية، ودار العود التونسي.

وأضافت أن البرنامج لا يقتصر على الحفلات، بل يتضمن مسابقة وطنية في العزف على العود، ومعرضاً للآلة بنوعيها التونسي والمشرقي، وورشات يقدم خلالها الفنانون المشاركون تجاربهم وأعمالهم.

كما شمل البرنامج ندوة علمية بعنوان “آلة العود التونسي: مقاربات نقدية معاصرة ورهانات التجديد”، ولقاء في دار العود التونسي، وهو معهد للموسيقى التقليدية في قلب المدينة العتيقة.

انفتاح دولي وخصوصية محلية

أشارت بن تومي إلى أن الانفتاح على تجارب خارج تونس هو خيار اعتمده المهرجان منذ دورته الثانية، عبر إدراج عروض دولية إلى جانب المشاركات المحلية.

وذكرت أن الدورة الحالية استضافت، الثلاثاء، عازف العود التركي محمت أمين ميتماز، فيما أحيا الفنان اللبناني شربل روحانا حفل الجمعة، على أن يكون الاختتام مع الثلاثي الفلسطيني جبران.

وبالتوازي مع هذه المشاركات، يحرص المنظمون على إبقاء العود التونسي في صلب البرنامج، رغم الصعوبات التي واجهت الفكرة الأولى للمهرجان.

أوضحت بن تومي أن المشروع انطلق من بحث حول العود ورغبة في تخصيص مهرجان للعود التونسي، لكن التواصل مع المختصين أظهر محدودية الإقبال عليه، وصعوبة إعداد برنامج متنوع يعتمد عليه وحده.

وقالت: “لكننا لم نستسلم، لأننا مهتمون أساساً بالعود التونسي، رمز هويتنا الثقافية وتاريخنا الموسيقي”.

لذلك، أبقى المنظمون على فقرات أساسية تحتفي بالآلة عبر الندوات العلمية والمعارض والورشات، معظمها مخصص للعود التونسي.

لتعزيز هذا التوجه، لجأ المهرجان إلى شراكات مع دار العود التونسي وأكاديمية الفنون للفنان زياد غرسة، بهدف المساهمة في إعادة الآلة إلى الساحة الموسيقية وتشجيع الشباب على تعلم العزف عليها.

تجارب موسيقية جديدة وندوات أكاديمية

ترى بن تومي أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور فضاءات تهتم بالعود التونسي وتستقبل الشباب الراغبين في تعلم العزف عليه، ومن بينها الدار والأكاديمية، وتصف غرسة، الذي افتتح الدورة الحالية، بأنه “علامة من علامات العود التونسي”.

يعكس الجمع بين الحفلات والتكوين والبحث العلمي رغبة القائمين على المهرجان في أن يتجاوز أثره أيام العروض، ليشمل الاهتمام بتعلم الآلة وصناعتها وممارستها.

وكانت هذه الجوانب أيضاً محور النقاشات الأكاديمية التي تناولت أسباب تراجع حضور العود التونسي وسبل توسيع انتشاره وإبراز قيمته التراثية.

من بين تجارب الدورة، قدم الفنان التونسي زياد المهدي، الأربعاء، عرضاً ثنائياً يجمع العود والبيانو، في عمل قالت بن تومي إنه أُنجز على مدى سنوات بتأطير من الفنان ظافر يوسف.

ورافق المهدي في العرض عازف البيانو الأمريكي المقيم في تونس كايل شافر.

وبحسب بيانات حصلت عليها الأناضول، يتضمن العمل مقطوعة “مسيرة الباي” (Bey’s March) من تأليف عازف العود زياد المهدي، وتندرج ضمن ألبوم “سماء تونس”، بالتعاون مع علامة “باك بيت إيديشنس” (Back beat Editions) لصاحبها ظافر يوسف.

تصف البيانات المقطوعة بأنها تمضي في مسيرة موسيقية دقيقة الإيقاع، تتصاعد قوتها تدريجياً، فيما يمهد البيانو منذ النغمات الأولى لحركة تتشكل وتكتسب حضورها مع تقدم العزف.

يقدم هذا اللقاء بين الآلتين تجربة ضمن برنامج يجمع الاحتفاء بخصوصية العود والانفتاح على أساليب مختلفة في توظيفه موسيقياً.

على هامش الندوة العلمية التي أقيمت، الجمعة، بمركز الموسيقى العربية والمتوسطية في ضاحية سيدي بوسعيد بالعاصمة تونس، تحدث أستاذ الموسيقى بجامعة قابس عزيز الورتاني عن إشكاليات تحد من حضور العود التونسي.

قال الورتاني للأناضول إن دراسة المشهد الموسيقي في تونس تناولت حضور الآلة على ثلاثة مستويات: التكوين، والتصنيع، والممارسة الموسيقية.

أوضح أن هذه المجالات تواجه صعوبات، من بينها نقص التكوين المتخصص، وعزوف عدد من الحرفيين عن صناعة العود التونسي بسبب تكلفته ومحدودية الطلب عليه.

رأى الورتاني أن ذلك انعكس على حضور الآلة في المشهد الموسيقي التونسي مقارنة بالعود المشرقي.

واختتم بالتأكيد على أن المهرجان يمثل محاولة لإعادة العود التونسي إلى مكانته، مشيراً إلى أن تخصيص الندوة العلمية له في هذه الدورة يأتي بعدما كان الاهتمام في الدورات السابقة موجهاً إلى آلة العود عموماً.