عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

تأملات في مسرحية الهابيتوس الصحوي بين اللغة، الأدب والهوية

25/05/2026 05:04

تشهد الأوساط الصحوية ما يُسمّى بـ«الهابيتوس الصحوي» تحوّلاً لغوياً واضحاً؛ فبدلاً من استعمال عبارة «المواطن/فلان الفلاني حامل الهوية الوطنية رقم…» تُستبدل الآن بعبارة «المدعو/فلان الفلاني صاحب السجل المدني رقم…». يأتي هذا التغيير في إطار تجنّب ما يُنظر إليه من تداخل محتمل بين «الهوية الوطنية» و«الهوية الإسلامية»، وهو ما يُظهر صراعاً داخليةً على صعيد المصطلحات.

صراع المصطلحات بين «الدولة المدنية» و«النظام»

لم يقتصر النزاع اللغوي على كلمة «الهوية» فحسب، بل امتد إلى المصطلحات التي تُستعمل في المقالات الرسمية. فهناك معارضة واضحة لعبارة «الدولة المدنية» من قبل بعض التيارات، بينما تُستبدل كلمة «قانون» بعبارة «نظام» لتفادي ما يُصنّف كمحظورات لغوية. تجدر الإشارة إلى أن مجلة «العدل» نشرت بحثاً في أحد أعدادها يُعيد إباحة كلمة «قانون» مستندةً إلى استعمالها في أصول الفقه الأوائل، إلا أن هذا الجهد لم يغيّر من ملامح الهابيتوس الصحوي.

انعكاسات الهابيتوس في الأدب المعاصر

تجسد هذه الظواهر اللغوية نفسها في الإنتاج الأدبي. ففي رواية «فراغ مكتظ» للكاتب كريم الشمائل إبراهيم مضواح الألمعي، يبرز عنوانٌ معبّر وتفاصيل سردية ذكية وخفيفة الظل. إلا أن الرواية تُظهر انشغالاً واضحاً بالتموضع بين التيار الصحوي وخصومه، ما يُظهر غياب ما يُطلق عليه «الوسط» في كثير من التيارات الأدبية التي تُعرّف نفسها بـ«الأدب الإسلامي». ينتقد بعض النقاد هذا التيار باعتباره «أدلجة سياسية للأدب باسم الدين»، مشبهًا إياه بما حدث في الأدب الماركسي‑الستاليني الذي أسفر عن انحطاط التجربة السوفيتية وتفككها، ومُشيرًا إلى رواية «1984» كأحد نتائج ذلك.

الوسط بين المخرز والعين: نقد ذاتي وتحديات الهوية

يُعبر الكاتب عن احترامه للنقد الذاتي لكنه يرفض إعادة طرح مواضيع سابقة، مستشهداً بمقاله القديم «الليبرالية الموشومة». يُقارن موقف طه حسين من محمود شاكر بموقف الصحوة في مصر من فرج فودة، مشيرًا إلى أن هذه المقارنات تُظهر «سماجة» وسطية بين المخرز والعين. كما ينتقد محاولة بعض التيارات «تغطية» الأحداث تحت السجادة بدلاً من توثيقها للذاكرة، مؤكدًا أن «الوسط» الذي يُصنعه التيار الصحوي لا يصح عندما يُحَوِّل الدين إلى أيديولوجية تعادي العالم.

تاريخية الهابيتوس وتأثيرها على القيم الاجتماعية

قبل ظهور الهابيتوس الصحوي، كان المجتمع العربي يتسم بالتكافل الاجتماعي، حيث كانت الضيافة والعلاقات القبلية تشكل أساسًا للمعيشة. ومع تطور المستشفيات في المدن الكبرى، كان المرضى يُعالجون في بيوت الأقارب، دون الحاجة إلى إجراءات صحوية صارمة فرضتها الصحوة. تُظهر هذه الفقرة أن الهابيتوس الصحوي لا يبني الأخلاق على براءة الذمة وعدالة الأمة، بل يعتمد على تحوطات قد أضعفت من «نخوة العرب وشهامتهم» التي وثّقها حمزة شحاته في مؤلفه «الرجولة عماد الخلق الفاضل». وتُختتم الإشارة إلى قصيدة للماجد النبيل التي تُعبر عن قيم الوفاء والأمانة في التراث العربي.

في الختام، يُبرز النص أن كلمة «حداثي» أصبحت صمةً سيئةً في الوعي الجمعي، ويُحذر من استغلالها لتصنيع فكرة «الوسط» كفضيلةٍ زائفة. يؤكد أن الشجاعة الفكرية تتجلى في معرفة الذات، مستندًا إلى مناهج الإمام الغزالي أو ديكارت، وأن الاستقلال الفكري يتطلب جرأةً قبل كل شيء. يختتم الكاتب تعاطفه مع من يعيشون «وسطية العاجز الضعيف»، موضحًا التناقض بين التطلعات المستقبلية والارتباط بالماضي.

للنشر و الاعلان