التيه في الأساطير الأولى
يُعتبر قابيل أول نموذج للتيه الأبدي؛ بعد أن قتل أخاه هابيل، لم يُمنح الموت بل عُوقب بالسفر الدائم مصحوبًا بعقاب لا يستطيع الزمن أن يضع له نهاية.
أما أوديب في التراث اليوناني، فيجسد نوعًا آخر من التيه؛ فهو يُطرد وي wander، ويجد نفسه مرتجفًا خارج حدود ما كان ذات يوم موطنه، لكنه لا يُعاقب على جريمة ارتكبها بل ربما على شعور غامض بالذنب. ما يجعل قصته مؤلمة هو اليقين بأنه لا عودة ممكنة؛ يغادر طيبة أعمى، لا ترافقه سوى ابنته أنتيجون، ويمضي بلا وجهة.
التيه في الأدب الكلاسيكي
في الكوميديا الإلهية، يجعل دانتي من التيه بنية كاملة للعمل؛ رحلته عبر الجحيم والمطهر والفردوس ليست، في جوهرها، سوى محاولة يائسة لاستعادة مركزه بعد أن انحرف عن الطريق المستقيم.
التيه في العصر الحديث والسياسي
وفي الأزمنة الأقرب إلينا، تحولت شخصية التائه إلى شخصية سياسية؛ المنفي، واللاجئ، والمهاجر غير المرغوب فيه، كلها صور معاصرة لأوديب القديم، وقد درسها، من بين آخرين، حنة آرندت على نطاق واسع. خلف الجريمة أو الخطأ توجد قرارات الآخرين؛ كالحروب أو الأنظمة التي تقصي الإنسان وتستبعده. والنتيجة واحدة: جسد مهجر بلا مكان ثابت، معلق في بيئة غريبة عنه. وتمتلئ مدننا الحديثة بهؤلاء التائهين غير المرئيين، الذين جُردوا من أي بطولة أو ملحمة يمكن أن تمنح معاناتهم معنى.
التيه الداخلي والمعنى الفلسفي
وأحيانًا، لا يحتاج الإنسان حتى إلى عبور الحدود كي يتحول إلى تائه؛ الاقتلاع من الجذور لا يتطلب دائمًا هروبًا جسديًا. يكفي أن يفقد الإنسان الروابط التي كانت تربط حياته بشيء مألوف يمكن التعرف إليه؛ ربما يكون ذلك فقدانًا عائليًا، أو مرضًا، أو انفصالًا عاطفيًا. فجأة يصبح المحيط غريبًا، ويتحول الماضي إلى شلال متدفق لا يبقى منه إلا مكان ضيق في الذاكرة؛ عندها يصبح التيه داخليًا، ولا توجد مسافة يمكن قطعها قادرة على تجنبه.
ورغم قسوته، فقد أفضت حالة التائه إلى بعض أعمق التأملات في ماهية الإنسان؛ عندما يفقد المرء انتماءه إلى مكان، وعندما يُطرد من الفقاعة التي كان يعيش داخلها، فإنه يرى العالم بطريقة مختلفة؛ بعيدًا عن راحة المألوف، وفي العراء، ثمة وضوح بارد ينشأ من هذا الموقع؛ أن تكون مكشوفًا أمام العالم يجبرك على النظر من دون مرشحات، وعلى اختبار وجهات نظر جديدة. ولعل هذا هو السبب في أن كثيرًا من الكتاب والفلاسفة والمفكرين كانوا، بطريقة أو بأخرى، تائهين، كما كان نيتشه؛ الانتقال، رغم ألمه، يمكن أن يكون خصبًا أيضًا؛ وما يخسره الإنسان من الأمان قد يكسبه في الرؤية والمنظور.
ومع ذلك، سيكون من السذاجة أن نضفي طابعًا رومانسيًا على الاقتلاع من الجذور، ولا سيما عندما لا يكون خيارًا؛ صحيح أن بعض الناس قد ينجحون، بقدر من الحظ، في تحويل هذا الجرح إلى ثمرة ثمينة، لكن ذلك لا يعني أن الجرح يتوقف عن الألم أو أن الاقتلاع يتوقف عن كونه حكمًا قاسيًا.
عالمنا اليوم، بما يشهده من موجات نزوح جماعي، وأزمات سياسية، وسياق حربي مضطرب، وحدود تزداد تحصينًا وإغلاقًا، مليء بحيوات تائهة لا تملك الوسائل التي تمكنها من استخراج أي ثمرة من محنتها؛ فمقابل كل أوديب أو دانتي، هناك ملايين يمضون في الطريق دون أن يتركوا أثرًا، وكثير منهم لم يمض على وجودهم في الحياة سوى سنوات قليلة.
العودة إلى الأسطورة، إذن، ليست هروبًا من الواقع، بل يمكن أن تكون وسيلة للتعرف إلى الأنماط التي تتكرر عبر الزمن؛ فقصة التائهين يمكن أن تضيء الحاضر بطريقتها الخاصة، وأن تذكرنا أن الوطن ليس مجرد مكان، بل هو شكل من أشكال الانتماء إلى العالم، أو في أحسن الأحوال، ميناء يمكن العودة إليه.
كان أوليس دائمًا يرى إيثاكا في الأفق، ولهذا السبب لم يكن تائهًا أبدًا؛ أما عندما ينكسر ذلك الانتماء، فإن كل شيء آخر يدخل منطقة الشك وعدم اليقين.
الاقتلاع من الجذور، في نهاية المطاف، تجربة قصوى؛ أن تكون موسومًا بالتيه يعني أن تعيش في فضاء بينيّ، تتهاوى فيه جميع الركائز التي يقوم عليها الوجود: العادات، واللغة، وألفة الوجوه. هناك، في تلك النقطة التي لا اسم لها، يسكن أوديب وملايين آخرون.






