في ولاية دوزجه شمال غربي تركيا، أسس أحفاد مهاجرين أتراك قدموا من بلغاريا خلال الحرب العثمانية الروسية (1877-1878) متحفًا يروي قصة هجرة أجدادهم ويحافظ على مقتنيات يعود عمرها إلى أكثر من 150 عامًا. المتحف الذي أنشأه سكان قرية “سلاملار” يوثق رحلة أولئك الذين نزحوا إلى الأناضول بعد حرب 93، كما يُعرفها التاريخ العثماني.
قصة الهجرة والاستقرار في الأناضول
خلال الحرب بين الإمبراطورية العثمانية وروسيا في الفترة من 1877 إلى 1878، غادرت مجموعات من الأتراك المسلمين بلغاريا التي كانت جزءًا من الدولة العثمانية آنذاك، وتوجهوا نحو الأناضول. استقر عدد منهم في منطقة “كوموش أوفا” بولاية دوزجه، واختاروا الإقامة في قرية كانت تُعرف في ذلك الوقت باسم “إبراهيم آغا”.
في 18 يوليو 1934، وأثناء توجهه من أنقرة إلى إسطنبول، زار مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك القرية. بعد الزيارة، قرر تغيير اسمها إلى “سلاملار”، وهو الاسم الذي تحمله حتى اليوم.
تأسيس المتحف وإحياء الذكرى
بعد أكثر من خمسين عامًا، وتحديدًا في عام 1985، قرر أبناء وأحفاد المهاجرين إنشاء متحف يخلد ذكرى زيارة أتاتورك ويحافظ على الموروث الثقافي الذي حمله أجدادهم معهم. في السنوات الخمس الأولى، كان سكان القرية يعرضون صور أتاتورك والملابس التقليدية والأدوات المنزلية في ساحة القرية خلال المناسبات الوطنية والذكرى السنوية للزيارة.
في عام 1990، حوّل الأهالي متجرًا في الطابق السفلي لمسجد القرية إلى متحف دائم حمل اسم “متحف أتاتورك”. يضم المتحف اليوم نحو مئة قطعة تراثية، منها ملابس تقليدية جلبها المهاجرون مثل “الغوجوك” (المعطف الصوفي التقليدي)، و”الفراجة”، و”الجبكن” (الصديرية التقليدية)، و”الشروال”، و”الجتيك” (حذاء قماشي تقليدي)، إلى جانب أدوات منزلية نحاسية كالأباريق ودلال القهوة والأطباق، وأوانٍ خشبية وأحواض إعداد العجين.
شهادات من أهالي القرية
قال مختار قرية سلاملار، سنان جفتجي، في تصريح للأناضول: “أتاتورك زار القرية عام 1934، والأهالي يحيون في 18 يوليو من كل عام ذكرى تلك الزيارة من خلال فعاليات خاصة”. أوضح أن الأجداد علموا بمرور أتاتورك بالمنطقة خلال جولاته، فطلبوا استضافته. وأضاف: “استجابة لطلب الأهالي، زار أتاتورك قريتنا، وقدموا له شراب اللبن (العيران)، وأطلعوه على أحوال القرية، حيث أمضى نحو ساعة بين سكانها. تأثر بحفاوة الاستقبال، ثم قرر تغيير اسمها من إبراهيم آغا إلى سلاملار”.
أشار جفتجي إلى أن أجدادهم هاجروا من بلغاريا عقب “حرب 93″، وكانوا من الأتراك الذين عاشوا هناك عندما كانت أرضًا عثمانية. وتابع: “بعد الحرب هاجروا إلى هذه المنطقة التي خُصصت لهم، وكانت الرحلة شاقة للغاية، إذ تنقلوا بعربات تجرها الخيول والثيران”. وأكد أن جميع المقتنيات المعروضة تجسد هوية أجدادهم وثقافتهم، ويعود عمرها إلى نحو 150 عامًا. وأضاف: “نظرًا لزيارة أتاتورك للقرية وإطلاقه اسمها الحالي، نعرض هذه المقتنيات في المناسبات الوطنية والأيام الخاصة. كما نحتفل في 18 يوليو من كل عام بما نسميه (مهرجان العيران)، إلى جانب فعاليات إحياء ذكرى أتاتورك، وننظم هذه الفعاليات منذ عام 1985”.
من جانبها، قالت نورتن شاهين، إحدى سكان القرية: “أجدادي وصلوا إلى هذه المنطقة قبل نحو 150 عامًا، ولا تزال مقتنياتهم محفوظة داخل المتحف حتى اليوم”. أضافت: “توجد هنا سجاجيد الصلاة الخاصة بأجدادنا، ومعاطف الغوجوك، وملابس الحناء التي كانت ترتديها والدتي، وقمصان ورثناها عن جدتي، إضافة إلى المناشف التقليدية، والفراجة، والشالات”. أوضحت أن كثيرًا من هذه الملابس ظل مستخدمًا حتى سنوات قليلة مضت قبل أن تتغير أنماط الحياة. وأكدت أن المقتنيات تحظى بإعجاب الزوار، مشيرة إلى أن بعض عناصر التراث لا تزال حاضرة في المناسبات الاجتماعية، مثل ارتداء السراويل الوردية التقليدية في حفلات الحناء.






