شهد اليمن يوم الثلاثاء الماضي موجة تصعيد عسكري بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، امتدت إلى جبهات القتال في محافظتي تعز ولحج غرب البلاد، بالتزامن مع غارات جوية في صعدة شمالاً وقصف صاروخي استهدف مقراً عسكرياً في العاصمة المؤقتة عدن جنوباً، وذلك في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من تداعيات النزوح والجوع على الأطفال.
اشتباكات عنيفة في لحج وتعز
أفادت قناة «سبأ» الفضائية الرسمية بأن اشتباكات عنيفة اندلعت بين القوات الحكومية والحوثيين في مديرية المضاربة بمحافظة لحج، بالإضافة إلى جبهات راسن والعلقمة والوازعية في محافظة تعز. وأشارت القناة إلى أن هذه المواجهات أوقعت خسائر بشرية ومادية «كبيرة» في صفوف الحوثيين، دون أن تقدم حصيلة محددة.
من جانبه، أصدر محور تعز العسكري التابع للجيش بياناً قال فيه إن «الطيران الحربي للقوات المسلحة استهدف بغارتين مواقع وآليات وتجمعات مليشيا الحوثي الإرهابية في منطقة الأعروق بمديرية حيفان جنوبي المحافظة». ولم يذكر البيان تفاصيل إضافية حول هاتين الغارتين.
كما أعلن مصدر عسكري في محور تعز إحباط هجوم شنه الحوثيون على جبل قرفان الاستراتيجي غرب المحافظة. وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه في تصريح للأناضول، أن الجماعة شنت هجوماً على الجبل المطل على مديرية الشمايتين، مصحوباً بقصف مدفعي. وأضاف أن مجموعة من عناصر الحوثي تمكنت من التسلل إلى أجزاء من الجبل، لكن قوات الجيش تمكنت من صدهم عبر هجوم مضاد.
وفي تطور آخر بذات المحافظة، قُتل مدني وأصيب آخرون جراء قصف مدفعي حوثي استهدف منازل وممتلكات المواطنين في قرى جبل جرداد غربي تعز، وفق ما أوردته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية «سبأ». ونقلت الوكالة عن مصادر محلية لم تسمها أن القصف جاء بعد فشل الجماعة في تحقيق أي تقدم ميداني بالمنطقة. وأوضحت أن القصف أسفر عن مقتل مدني وإصابة عدد آخر دون تحديد حصيلة الإصابات، فضلاً عن إلحاق أضرار بالمنازل والممتلكات. ولم يصدر تعليق فوري من جماعة الحوثي حول ما أوردته الوكالة. ويُعد جبل جرداد سلسلة جبال استراتيجية تطل على مديرية الشمايتين الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية غرب تعز. وتشهد المنطقة منذ نحو أسبوعين معارك شبه يومية بين القوات الحكومية والحوثيين، أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى من الطرفين.
وفي السياق، دعا الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية ماجد النزيلي المواطنين إلى الابتعاد عن أي مواقع تستخدمها المليشيا في الأنشطة العسكرية حفاظاً على سلامتهم. وقال النزيلي في بيان نشره المركز الإعلامي للقوات المسلحة عبر حسابه على فيسبوك إن القوات الحكومية «ترصد وتتابع جميع التحركات والأنشطة العسكرية لمليشيا الحوثي الإرهابية في مختلف المحاور والجبهات والمحافظات». وأضاف أن «جميع المواقع التي تستخدمها المليشيا الإرهابية لأي أغراض عسكرية هي أهداف مشروعة لقواتنا المسلحة بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني».
الحوثيون يتحدثون عن غارات سعودية على صعدة
في المقابل، ادعت جماعة الحوثي أن 8 غارات جوية «سعودية» استهدفت محافظة صعدة، معقل الجماعة المتحالفة مع إيران شمال غربي اليمن. ونقلت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للحوثيين عن مصدر محلي لم تسمه أن الطيران السعودي استهدف بثلاث غارات مديرية الظاهر، وشن غارة على مديرية مجز في محافظة صعدة. كما زعم المصدر أن الطيران السعودي شن 4 غارات على مديرية سحار بالمحافظة دون تقديم تفاصيل عن نتائج تلك الضربات.
وفي وقت لاحق، ادعت الوكالة أيضاً أن «الطيران الحربي السعودي شن خلال الـ24 ساعة الماضية 35 غارة جوية من خلال طائرات إف-15 وتايفون». وزعمت أن الطائرات «أقلعت من قاعدتي خميس مشيط والطائف (جنوبي السعودية) واستهدفت أعياناً مدنية من شبكات اتصالات ومدارس وغيرها في محافظات تعز والجوف وعمران وصعدة والحديدة». وقالت إن إجمالي «غارات العدوان السعودي منذ بدء التصعيد بلغ 1158 غارة جوية وصاروخاً». ولم يصدر تعليق فوري من السعودية بشأن هذه الادعاءات.
قصف صاروخي يودي بحياة 5 جنود في عدن
وفي العاصمة المؤقتة عدن، لقي 5 جنود من القوات الحكومية مصرعهم وأصيب 3 آخرون جراء قصف صاروخي شنه الحوثيون واستهدف مقراً عسكرياً غرب المدينة. وذكرت قناة «يمن شباب» المحلية (خاصة) أن جماعة الحوثي «شنت قصفاً صاروخياً استهدف مقر الفرقة الأولى التابعة لقوات درع الوطن في منطقة قعوة غربي عدن». وأضافت القناة أن «القصف أسفر عن مقتل 5 جنود وإصابة 3 آخرين» دون مزيد من التفاصيل. ولم يصدر أي بيان رسمي من القوات الحكومية بهذا الشأن، فيما لم تعقب جماعة الحوثي على ما ذكرته القناة.
تحركات دبلوماسية وتعبئة عامة
على الصعيد الدبلوماسي، بحثت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف سبل تعزيز مساندة المملكة للحكومة الشرعية في حماية المواطنين ومواجهة تداعيات التصعيد الحوثي، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الرسمية «سبأ». وفي اللقاء الذي عُقد بالعاصمة السعودية الرياض، ناقش الجانبان «تطورات تصعيد مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني وتداعياته على أمن اليمن والمنطقة والملاحة الدولية، وسبل تعزيز الدعم البريطاني والدولي للحكومة اليمنية». وأكدت الزوبة «أهمية البناء على المواقف الدولية الداعمة للحكومة اليمنية، وتعزيز مساندتها في حماية المواطنين ومواجهة تداعيات التصعيد الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية، بما يصون وحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه». وفيما يتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب، أوضحت الزوبة أن «حماية الممرات البحرية ترتبط بقدرة الدولة اليمنية على تأمين سواحلها ومياهها الإقليمية». ودعت كذلك إلى «تطوير التعاون في مجال الأمن البحري ودعم المؤسسات المعنية وفي مقدمتها خفر السواحل، بما يمكنها من مواجهة التهديدات ومكافحة التهريب والإسهام في ضمان سلامة الملاحة والتجارة الدولية». من جانبها، جددت السفيرة البريطانية «دعم بلادها للحكومة والشعب اليمني، مؤكدة حرص المملكة المتحدة على توظيف دورها في مجلس الأمن لمساندة أمن اليمن واستقراره، ومواصلة التعاون التنموي والإنساني والإسهام في تأمين الممرات البحرية وحماية الملاحة والتجارة الدولية» بحسب الوكالة.
وفي السياق ذاته، أقر البرلمان اليمني يوم الاثنين إعلان التعبئة العامة لمواجهة «التصعيد الحوثي وحماية المواطنين والدفاع عن النظام الجمهوري والشرعية الدستورية، وصون سيادة الدولة وسلامة أراضيها». وجاء إقرار التعبئة خلال اجتماع موسع عقده المجلس عبر الاتصال المرئي برئاسة رئيسه سلطان البركاني، عقب استعراض مذكرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي التي طلب فيها الموافقة على إعلان التعبئة العامة في البلاد. وكان العليمي قد أعلن يوم الجمعة عفوًا شاملًا عن كل من يترك جماعة الحوثي ويتوقف عن القتال في صفوفها أو العمل لصالحها، بالتزامن مع دعوته إلى «التعبئة العامة والنفير الوطني» لدعم القوات الحكومية.
بدوره، دعا المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إلى العمل معًا من أجل السلام والاستقرار في البلد العربي. وقال غروندبرغ عبر منصة «إكس» إنه التقى يوم الاثنين في العاصمة القاهرة بوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وأشاد بدعم مصر المستمر لجهود الوساطة التي تبذلها الأمم المتحدة في اليمن. وشدد على أن «العمل معًا من أجل إحلال السلام والاستقرار في اليمن بات اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى».
تحذيرات أممية من تفاقم أزمة الأطفال
على الصعيد الإنساني، حذرت الأمم المتحدة من أن النزوح والجوع يهددان أطفال اليمن مع تصاعد الصراع في البلاد. وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» عبر «إكس» إنه «مع تصاعد الصراع في اليمن، يؤدي النزوح والجوع إلى زيادة المخاطر التي يواجهها الأطفال». وأضاف المكتب أنه من بين نحو 2900 طفل نازح خضعوا للفحص، كان أكثر من 25 بالمئة منهم يعانون من سوء تغذية حاد، بينهم نحو 200 طفل يعانون من سوء تغذية حاد شديد. وشدد المكتب الأممي على الحاجة الماسة إلى تقديم الدعم الإنساني للمتضررين من تصاعد الصراع.
وتتواصل منذ يوليو/ تموز 2026 مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين في جبهات عدة، بينها محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف والبيضاء، في أوسع تصعيد منذ بدء هدوء نسبي بموجب هدنة أبريل/ نيسان 2022. وأدى التصعيد الحديث إلى نزوح أكثر من 180 ألف شخص، فيما فر الآلاف إلى جيبوتي، بحسب تقارير أممية وحكومية. ويشهد اليمن حربًا منذ سيطرة الحوثيين، المتهمين بتلقي دعم إيراني، على العاصمة صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر/ أيلول 2014، قبل تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس/ آذار 2015 دعمًا للحكومة اليمنية.






