عاجل
١١ صفر ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 27 يوليو 2026
الرياض +18°C

الواقعية في قيادة المشاريع الوطنية: بين الطموح والإنجاز

01/07/2026 09:03

إن مسار رؤية المملكة يجسد مجموعة من الإنجازات التي وصلت إلى مستويات ملحوظة، حيث تلتزم نسبة كبيرة من المبادرات بالجداول الزمنية المحددة. غير أنه لا يمكن أن يُنظر إلى مشروع يُعيد هيكلة اقتصاد دولة أو يُعيد رسم خريطة منطقة بأسرها على أنه ثابت لا يحتاج إلى تعديل.

التغيير جزء لا يتجزأ من دورة أي مشروع

من يملك خبرة في إدارة المشاريع يدرك أن التعديل هو سمة طبيعية لا غنى عنها، بل إن التطوير المستمر يُعد العنصر الأساسي في المشاريع الضخمة، خصوصًا عندما تكون الرؤية ذات مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتقنية والجيوسياسية.

نجاحات متباينة تتطلب واقعية متزايدة

بينما أحرزت بعض المشاريع نجاحًا بارزًا، هناك أخرى لم تصل إلى الأهداف المرجوة، وهذا أمر متوقع في أي مسعى تنموي واسع. ما يفرضه الوقت الآن هو ضرورة تبني نهج واقعي، يضع الفعل فوق الكلام.

شهدت الفترات الأخيرة ظهور مديرين بدأوا مهامهم بتصريحات ووعود طموحة، مدعومة بوسائل إعلامية رسمت صورة إنجاز مسبق قبل بدء التنفيذ، لتنتهي التجربة دون أن تُظهر نتائج تُقارن مع حجم الوعود.

المعيار الحقيقي: الفعل لا الكلام

يُختصر الحكم على القادة بالقول الشهير: «فعلٌ ممتاز خيرٌ من قولٍ ممتاز» (بنجامين فرانكلين). لا تُقاس القيادة بعدد المؤتمرات أو اللقاءات الإعلامية، بل بما يتركه القائمون من أثر مستدام بعد مرور سنوات.

كما أشار مارك توين إلى أن «الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات». للأسف، ظهر في بعض الأحيان مدير يروج لحملات إعلامية توحي بأنه سيُحدث ثورة في قطاع ما، دون أن يُظهر للجمهور أي منتج أو خدمة ملموسة.

الطموحات مقابل القدرة الفعلية

تتردد الآن أصوات تتحدث عن رغبة في منافسة القوى العالمية في مجالات معقدة مثل الذكاء الاصطناعي. ومع كامل الاحترام للطموح، يجب أن ندرك حدود ميزتنا النسبية: توفر الطاقة بأسعار منخفضة بفضل جهود وزارة الطاقة، سرعة إصدار تراخيص مراكز البيانات، وحجم العقود الحكومية في بيئة تقنية متقدمة.

نحن لا نمتلك أعدادًا هائلة من المبرمجين كما في دول ذات كثافة سكانية عالية، ولا نتصدر قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات عالميًا بعد؛ لذا فإن الإفراط في التصريحات دون إنجازات فعلية لا يخدم الأهداف.

ينطبق الأمر نفسه على قطاع الطيران، حيث يعلن البعض عن منافسة كبرى رغم أن الشركات لا تزال في مرحلة استلام أساطيلها الأولى. المنطق الإداري السليم يقتضى تقييم الأداء والخدمة قبل الإشادة بالمستقبل.

الهوية البصرية لا تعني الإنجاز

تظهر أحيانًا أوجه قصور في وسائل الإعلام داخل المؤسسات، حيث يُعامل تجديد الشعار أو «اللوغو» كإنجاز أساسي، متغافلين عن أن القيمة الحقيقية تكمن في جودة الخدمات والمنتجات. مثال ذلك الشركات العالمية كـ Apple و NVIDIA و Walmart التي ارتفعت قيمة علامتها التجارية بفضل جودة ما تقدمها، لا بسبب تصميم الشعار.

لو أعلن رئيس مجلس إدارة شركة «أكوا باور» (الآن أكوا) عن منافسة عالمية في مجال الطاقة المتجددة، فإن تاريخ الشركة وإنجازاتها سيكونان الضمان الأكبر. بالمثل، تصريحات رئيس «أرامكو» حول قيادة طاقة العالم لا تحتاج إلى معارضة، فالأرقام والنتائج تتحدث بصوت عالٍ.

الحملات الإعلانية لا تصنع منتجًا أو خدمة، ومع ذلك يستغل بعض المؤثرين هذه الأدوات لترويج ما يدفعون مقابله، مما يبعد عن مسار الواقعية والشفافية، وقد يصل بهم الأمر إلى تسويق منتجات غير جديرة بالثقة.

الكفاءة فوق كل اعتبار

نحن في وطننا نتطلع إلى المستقبل بتفاؤل، ونشجع الشركات الوطنية على النجاح بغض النظر عن جنسيات القادة أو خلفياتهم. الكفاءة لا تعرف حدودًا وطنية؛ فقد نجح مديرون أجانب وأخرى سعوديون، وفشل البعض الآخر، لكن ما يهم هو نجاح المنظومة التي تخدم الرؤية الوطنية.

من المخاطر التي قد تواجه بعض القادة هو الوقوع في ما يُعرف بظاهرة «دانينج-كروجر»، حيث يبالغ الأشخاص ذوو الكفاءة المحدودة في تقدير قدراتهم، وهو ما يفضي إلى تصريحات غير واقعية.

كما يشير آدم غرانت إلى أن المتفاخرين غالبًا ما يكونون غير آمنين ويسعون إلى لفت الأنظار، ما قد يولد تأثيرًا عكسيًا.

ختامًا، نتمنى للجميع النجاح والتوفيق؛ فإن إنجاز قائد في إطار نظامه هو إنجاز للمسيرة الوطنية ككل. التفاؤل مصدر طاقة، لكن الواقعية والشفافية هما الضمانة الحقيقية للإنجاز.