عاجل
١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 1 سبتمبر 2026
الرياض +18°C

إصلاح التعليم يبدأ من الجامعة.. والمعلم محور التحول

01/09/2026 03:02

إذا كان المحتوى التعليمي يمثل شريان الحياة للمنظومة التربوية، فإن المعلم هو العقل القادر على تحويل هذا المحتوى إلى معرفة، ثم تحويل هذه المعرفة إلى مهارات، وأخيراً تحويل المهارات إلى إنسان منتج قادر على البناء والعطاء. لذلك، فإن أي مشروع لإصلاح التعليم لا ينبغي أن ينطلق من المدرسة، بل من المؤسسة التي تُعد المعلم، وهي الجامعة.

فالمدرسة تُخرج الأجيال، لكن الجامعة هي التي تُخرج من يصنع تلك الأجيال. فعندما يُطرح موضوع تطوير التعليم، غالباً ما يتركز التفكير على المناهج الدراسية، البيئة المدرسية، التقنيات الحديثة، أو أساليب التقويم. لكن التجارب الدولية تؤكد حقيقة أكثر عمقاً: إصلاح التعليم لا يبدأ داخل المدرسة، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات داخل الجامعة التي تُعد المعلم، تبني كفاءاته، تصوغ فلسفته المهنية، وتزوده بالأدوات التي سيقود بها تعلم الأجيال القادمة.

الجامعات السعودية وإعادة تعريف إعداد المعلم

لذا، فإن نجاح نظام التعليم العام لا يرتبط فقط بجودة التشريعات أو كفاءة المبادرات، بل يعتمد بشكل كبير على قدرة الجامعات السعودية على إعادة تعريف برامج إعداد المعلم، بما يتوافق مع التحولات العالمية، ويواكب طموحات المملكة في بناء اقتصاد معرفي يقوده الإنسان. فلم يعد المعلم المصدر الوحيد للمعرفة، ولم يعد دوره يقتصر على نقل المعلومات إلى الطلبة، لأن المعرفة أصبحت متاحة للجميع. أما القيمة الحقيقية للمعلم اليوم فتتمثل في قدرته على بناء التفكير، تنمية الشخصية، غرس القيم، تصميم خبرات تعلم تُنمّي الفضول، تدفع إلى البحث، وتربط المعرفة بالحياة.

لذلك، لم يعد السؤال: كيف نُعد معلمًا يجيد التدريس؟ بل أصبح: كيف نُعد قائدًا للتعلم؟ وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الأنظمة التعليمية الأعلى أداءً تشترك في سمة أساسية، وهي أن إعداد المعلم فيها يُنظر إليه باعتباره استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى، وليس برنامجًا أكاديميًا قصير الأجل.

كليات التربية نحو الابتكار التربوي

وهنا تبرز مسؤولية كليات التربية في الجامعات السعودية. فالمرحلة القادمة تستدعي تحول هذه الكليات من مؤسسات تمنح الدرجات العلمية إلى مراكز وطنية للابتكار التربوي، تُطوّر النماذج التعليمية، وتنتج المعرفة، وتختبر التطبيقات الجديدة، وتدعم صانع القرار بالبحوث والأدلة. ومن هذا المنطلق، تظهر الحاجة إلى إطلاق البرنامج الوطني لإعداد المعلم العالمي، ليكون أحد أهم المبادرات الاستراتيجية الداعمة لنظام التعليم العام. لا يقتصر هذا البرنامج على تحديث الخطط الدراسية، بل يعيد بناء فلسفة إعداد المعلم بأكملها، بحيث تجمع بين المعرفة التخصصية، الكفايات التربوية، المهارات الرقمية، الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، التصميم التعليمي، البحث الإجرائي، القيادة الصفية، والتواصل مع الأسرة والمجتمع.

التطوير المهني المستمر والشراكة الاستراتيجية

كما ينبغي أن يصبح التطوير المهني جزءًا أصيلًا من المسار الوظيفي للمعلم، وليس نشاطًا موسميًا. فالمعلم الذي يتعلم باستمرار هو الأقدر على مواكبة التحولات المتسارعة، وتوظيف المستجدات التقنية بصورة واعية، وإلهام طلبته للتعلم مدى الحياة. وفي هذا السياق، تبرز الجامعات بوصفها شريكًا استراتيجيًا لوزارة التعليم، وليس جهة منفصلة عنها. فهي مطالبة بإجراء البحوث التطبيقية، تحليل التحديات التعليمية، استشراف مهارات المستقبل، إعداد القيادات التربوية، بناء شراكات مع القطاع الخاص، وتطوير الحلول الرقمية، بما يجعلها بيت الخبرة الوطني الذي تستند إليه قرارات تطوير التعليم.

لقد أثبتت تجارب دول مثل فنلندا أن المكانة المهنية للمعلم تبدأ من جودة إعداده، ومن الثقة المجتمعية التي تمنحه إياها الدولة. أما المملكة، فهي تمتلك فرصة لبناء نموذجها الخاص، المستند إلى قيمها الوطنية، استثماراتها في رأس المال البشري، وطموحاتها التي تقودها رؤية المملكة 2030. لا يبدأ إصلاح المدرسة من المدرسة… بل يبدأ من الجامعة التي تُعد معلمها، ومن المعلم الذي يصنع مستقبلها. وقد ننجح في تحديث المناهج خلال سنوات، وقد نُدخل أحدث التقنيات إلى المدارس في وقت قصير، لكن بناء معلم قادر على صناعة أجيال تمتلك المعرفة والقيم والمهارات هو الاستثمار الذي يمتد أثره لعقود، وتُقاس به جودة أي نظام تعليمي.