هل تتحول الأبحاث العلمية في المملكة العربية السعودية إلى أثر ملموس خارج أسوار الجامعات، أم تظل حبيسة المختبرات لتلاقي مصير “وادي الموت” الذي يبتلع معظم الدراسات العالمية؟ الإجابة تأتي مدعومة بالأرقام وليس بالآراء.
مفهوم وادي الموت ونظرة على الإنفاق البحثي
في مجال سياسات التقنية، يوصف “وادي الموت” بأنه المرحلة الحاسمة الفاصلة بين نتائج البحث الأساسي ووصول المنتج أو التقنية إلى الأسواق. أطلق عليه هذا الاسم لأن أغلب الأبحاث الواعدة تنتهي فيه، ليس بسبب ضعف الفكرة، بل نتيجة توقف التمويل، وضعف المهارات التسويقية، واتساع الفجوة بين المختبر والمستخدم النهائي. ويبرز هذا التساؤل بقوة في حالة المملكة العربية السعودية، التي شهدت قفزة هائلة في الإنفاق على البحث والتطوير من 14.51 مليار ريال في 2021 إلى 29.48 مليار ريال في 2024، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: أين تذهب هذه المليارات؟ وما هو الأثر القابل للقياس الذي تنتجه؟
نماذج جامعية تعبر الوادي: من الرمال إلى البترول
تقدم جامعة الملك سعود مثالاً رائداً، حيث بدأت في عام 2009 تطوير تقنية تعتمد على تسخين الرمال لتخزين الطاقة وتوليد الكهرباء من الصفر. وبعد تسع سنوات من العمل، تم تشغيل المنظومة بنجاح في 2018 بموجب عقد مع الشركة السعودية للكهرباء. واليوم، تستعد الشركة لبناء محطة تجارية في طريف مع ترسية المشروع في 2026، فيما تدرس شركة معادن تطبيق التقنية ذاتها لتسخين خام الفوسفات بديلاً عن الطرق الكيميائية باهظة التكلفة، وهو ما قد يخفض التكاليف بمليارات الريالات سنوياً. وتعتزم شركة وادي الرياض تأسيس شركة ناشئة في 2026 لتسويق هذه التقنية محلياً وعالمياً. وفي مركز سابك لأبحاث هندسة البوليمرات (SPRC) بالجامعة نفسها، تم تطوير 15 منتجاً مشتقاً بديلاً عن المواد التقليدية مثل القطن والخشب والزجاج، محمية بـ30 براءة اختراع دولية.
أما جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، فتحكي أرقامها قصتها بوضوح؛ فمن 5 براءات أمريكية فقط في 2005، قفزت إلى المرتبة الخامسة عالمياً في 2024 ثم الثانية عالمياً في 2025 بأكثر من 320 براءة أمريكية في عام واحد وفق تصنيف الأكاديمية الوطنية للمخترعين (NAI)، وتحتفظ بلقب الأولى عالمياً في معدل براءات STEM للفرد منذ 2023. ويبرز الأثر الأكبر في قصة باحث أمضى عشرين عاماً في تطوير حفاز لتكسير النفط الثقيل، تحول إلى ترخيص دولي ينتج 76 ألف برميل يومياً. كما يضم وادي الظهران للتقنية، أكبر تجمع عالمي لمراكز أبحاث النفط والغاز، 12 مشروعاً تحتوي على أكثر من 30 براءة اختراع في طريقها إلى السوق.
جامعة الملك عبدالعزيز سجلت أكثر من 580 براءة اختراع، تحولت منها 16 براءة إلى منتجات فعلية تُباع في الأسواق، أي ما يعادل 3%. وجامعة الملك فيصل تصدرت قائمة NAI في 2024 بـ631 براءة مسجلة في مكتب البراءات الأمريكي (USPTO)، وأطلقت حزمتين من الشركات المنبثقة، كان آخرها 4 شركات في مايو 2026. وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن سجلت 7 براءات اختراع في عام واحد وأطلقت تطبيق “وضوح”، وهو نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأشعة الصدرية والكشف عن الأمراض. أما كاوست فتقف كياناً مستقلاً بأكثر من مليار دولار استثمارات إجمالية، و925 مليون دولار من الإيرادات، و6,661 وظيفة، وتقييم تجاوز ملياري دولار بحلول 2024، وأكثر من 100 شركة ناشئة منذ 2016.
القطاع الخاص: أرامكو وسابك والتحلية في صدارة الابتكار
لا تقتصر القصة على الجامعات؛ فأرامكو السعودية تتصدر جميع المؤسسات السعودية بعدد البراءات الممنوحة منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 وفق دراسة محكمة نشرتها منظومة النشر الأكاديمي متعدد التخصصات (MDPI). فقد قفزت براءاتها الأمريكية من 524 براءة في 2019 إلى 966 براءة في 2022، وهو العام الذي حازت فيه أعلى عدد براءات أمريكية في قطاع الطاقة عالمياً. وتمتلك سابك محفظة تضم أكثر من 11 ألف براءة اختراع ممنوحة وطلبات معلقة وفق تقريرها السنوي المتكامل 2024، مع أكثر من 220 طلب براءة جديد خلال العام الواحد، مما يعكس منظومة ابتكار متواصلة تغذي سلاسل القيمة الصناعية في البتروكيماويات والمواد المتقدمة. كما قدمت مؤسسة التحلية 21 طلب براءة بين 2022 و2023 في تقنيات تحلية المياه. لكن الأثر لا يقتصر على البراءات؛ فهناك أبحاث طورت أنظمة إدارية وغيرت سياسات في الصحة والبيئة، وإن لم تتحول إلى منتج يباع، فإنها أعادت رسم طريقة اتخاذ القرار في مؤسسات تخدم الملايين، مما يجعل التوثيق المنهجي أكثر إلحاحاً.
السياق العالمي والتحديات: حقائق وأرقام
عند وضع الصورة في سياقها العالمي، تظهر الحقائق بوضوح. أنفقت المملكة 0.64% من ناتجها المحلي على البحث والتطوير في 2024، مقارنة بمتوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) البالغ 2.7% والولايات المتحدة 3.45%. لكن الإنفاق تضاعف خلال ثلاث سنوات بمعدل نمو 30.4% في عام واحد يفوق جميع دول مجموعة العشرين (G20). أما نسبة البراءات المرخصة، فبيانات الجمعية الأمريكية لمديري نقل التقنية الجامعية (AUTM) لعام 2023 تظهر أن من كل 25 ألف اكتشاف جامعي لم يصل للسوق سوى 714 منتجاً، أي أقل من 3%، وهو نفس المعدل الذي تسجله جامعة الملك عبدالعزيز. والفجوة بين المملكة والجامعات الأمريكية التي بنت منظومة نقل التقنية على مدى خمسين عاماً منذ قانون Bayh-Dole في 1980، ليست فجوة جودة بل فجوة عمر منظومة. ومع ذلك، تضاعف عدد الباحثين المنتسبين لمؤسسات المملكة ثلاث مرات في قائمة جامعة ستانفورد لأفضل 2% من العلماء الأكثر استشهاداً عالمياً، من 556 باحثاً في 2019 إلى 1,684 باحثاً في 2023 وفق دراسة محكمة. الأرقام تقول إننا نبني بسرعة غير مسبوقة، والمرحلة القادمة هي الحصاد.
لكن الصدق يقتضي الاعتراف بتحدٍ حقيقي: نفتقر إلى ورش العمليات المتقدمة التي تحول النموذج الأولي إلى منتج قابل للتصنيع، مما يضطرنا للجوء إلى الصين واليابان وهونغ كونغ وسنغافورة وكوريا الجنوبية، والقطاع الخاص لم يبلغ بعد مستوى النضج الكافي لاستيعاب هذا الأثر. وهذا ما دفع كاوست لفتح مركز ابتكار في شنجن الصينية، وجامعة الملك سعود لإبرام شراكتها مع مجموعة SparkLabs العالمية الموجودة في أكثر من اثنتي عشرة دولة. وكل هذا في سياق رؤية المملكة 2030 التي حددت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار (RDIA) ذراعاً تنفيذية دعمت بأكثر من 800 مليون ريال أكثر من 2,500 عالم و400 مشروع و160 شركة ناشئة، تجاهاً لهدف رفع الإنفاق إلى 2.5% من الناتج المحلي بحلول 2040.
ثلاثة دروس ونصيحة ختامية
تقدم قصص النجاح هذه ثلاثة دروس: الأول، أن التخصص يصنع الفارق — جامعة الملك سعود في البوليمرات والطاقة، وجامعة الملك فهد في النفط والغاز، وجامعة الملك عبدالعزيز في علوم البحار، وكاوست في المياه والطاقة والأمن الغذائي. الثاني، أن منظومة متكاملة مترابطة الحلقات تفوق المبادرات المتفرقة، فمكتب نقل التقنية وحده لا يكفي، والكرسي البحثي وحده لا يكفي، والبراءة وحدها لا تكفي، ومركز الابتكار لا يكفي، النجاح يأتي حين تتصل هذه الحلقات: بحث ثم حماية فكرية ثم نمذجة ثم استثمار ثم سوق، وقد بنت كاوست هذا التسلسل منذ اليوم الأول. الثالث، أن الإحصاءات الداخلية وحدها لا تكفي؛ فالأهم نسبة البراءات المرخصة التي تحولت فعلاً إلى منتجات أو شركات. وقد واجهتني شخصياً صعوبة في تحصيل هذه المؤشرات، وغيابها عن المنصات الرسمية ليس دليلاً على غياب الأثر، بل دليل على أن منظومة توثيقه لم تنضج بعد. إن الأثر الذي لا يوثق لا يختلف في نتيجته عن الأثر الذي لم يكن، كلاهما غائب حين يحتاج إليه.
وخلاصة القول في نصيحتين: الأولى أن نوثق قبل أن نطالب. والثانية، أن نتعلم من نجاحاتنا ونبني البيئة التي تستحق ما ننتجه، لأن البحث الذي لم يمت في الوادي لم يكن الأذكى دائماً بل كان الأوضح هدفاً. 76 ألف برميل في الظهران، ومليار دولار في كاوست، وتقنية رمال من مختبر جامعي إلى عقد مع الشركة السعودية للكهرباء، القاسم المشترك أن أحداً سأل منذ البداية: “من سيستخدم هذا؟ وهل البيئة جاهزة لاستقباله؟” لأن وادي الموت لا يعبر بعدد المنشورات ولا البراءات، بل بما تحول منها فعلاً إلى أثر.
*قسم الإحصاء وبحوث العمليات – كلية العلوم – جامعة الملك سعود
البريد الإلكتروني: [email protected]






