عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +18°C

تقييم الأثر الثقافي المستدام.. مقترح لتطوير مبادرة الشريك الأدبي

02/07/2026 03:01

حققت وزارة الثقافة السعودية، عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة ومبادرة الشريك الأدبي، تجربة ثقافية رائدة ساهمت في توسيع نطاق المشاركة المجتمعية، ونقلت النشاط الأدبي إلى فضاءات أقرب إلى الجمهور، حتى غدت المقاهي والأماكن العامة محطات للحوار والقراءة واللقاءات الثقافية. ويأتي هذا الإنجاز متماشياً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تنظر إلى الثقافة كاستثمار في الإنسان وأحد روافد التنمية وجودة الحياة.

دعوة لقياس العائد الثقافي بما يتجاوز الأرقام

مع هذا النجاح، تبدو الفرصة مواتية للانتقال إلى مرحلة جديدة في تطوير المبادرة عبر توسيع أدوات تقييمها بما يتناسب مع نضج التجربة واتساع أثرها. جرت العادة على قياس نجاح المبادرات الثقافية بعدد الفعاليات وحجم الحضور واتساع الانتشار، وهي مؤشرات تعكس حيوية المشروع وكفاءة التنفيذ. لكن يبرز اليوم سؤال يستحق أن يكون جزءاً من هذا التقييم: كيف يمكن قياس الأثر الذي يستمر بعد انتهاء الفعالية؟ من هنا تنبثق فكرة العائد الثقافي، وهي القيمة التي تتركها المبادرات في المجتمع مع مرور الزمن، ويتجلى هذا العائد في قارئ جعل القراءة جزءاً من روتينه اليومي، أو موهبة وجدت بدايتها في أمسية ثقافية، أو مجموعة قراءة تشكلت إثر لقاء أدبي، أو مبادرة جديدة استلهمت تجربتها من مبادرة سابقة. فهذه التحولات الهادئة تمنح المشروع الثقافي عمراً أطول من عمر الفعالية نفسها.

مؤشرات الأداء الجديدة وأثرها في بناء الإنسان

قد يكون من المناسب إضافة هذا البعد إلى مؤشرات الأداء الحالية، بحيث يُقرأ عدد الفعاليات وحجم الحضور إلى جانب مؤشرات تقيس استمرار المشاركة، واتساع المجتمعات القرائية، واكتشاف الأصوات الإبداعية، ونمو المبادرات المجتمعية، وترسخ الممارسات الثقافية في الحياة اليومية. وعندها تصبح الصورة أكثر اكتمالاً، لأن النشاط والأثر معاً يمثلان القيمة الحقيقية لأي مشروع ثقافي. ولا يحتاج هذا التوجه إلى أدوات معقدة، بل إلى رؤية تمتد إلى ما بعد يوم الفعالية؛ عبر متابعة المبادرات التي ولدت من المبادرة الأم، والقراء الذين واصلوا رحلتهم مع الكتاب، والكتّاب الذين انطلقت تجاربهم من تلك اللقاءات، والشراكات التي ساهمت في توسيع دائرة الثقافة داخل المجتمع. فهذه المؤشرات تكشف الأثر الممتد الذي يصعب أن تعكسه الأرقام وحدها.

الأثر المستدام كاستثمار ثقافي

يتوافق هذا المقترح مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تضع الإنسان في صلب التنمية، وتمنح الثقافة دوراً محورياً في بناء مجتمع المعرفة ودعم الاقتصاد الإبداعي وتعزيز جودة الحياة. وكلما اتسعت دائرة الأثر، ازدادت القيمة التي تحققها المبادرات الثقافية للمجتمع. فالفعالية تبدأ في موعدها وتنتهي في يومها، بينما يواصل أثرها رحلته في القارئ، والكاتب، والأسرة، والمجتمع. ومع تراكم هذه الآثار يتشكل الرأسمال الثقافي، ويغدو العائد الثقافي أحد أهم مؤشرات نجاح المبادرات الثقافية، لأنه يقيس أثرها في بناء الإنسان، وهو الاستثمار الذي يظل أثره متجداً مع الزمن.