عاجل
١٩ محرم ١٤٤٨ هـ| الأحد، 5 يوليو 2026
الرياض +22°C

السرد المؤسسي في السعودية: من الوثائق إلى القصص الوطنية

في إطار سلسلة محاضرات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة الثقافي، ألقى بندر الحربي، كاتب ومترجم ورئيس قسم النشر والتقارير بوزارة الطاقة، كلمة ثقافية بعنوان “السرد المؤسسي التاريخي: تحويل الأحداث إلى قصة وطنية”. تولت الأستاذة إيمان الغامدي، رئيسة قسم التدقيق والمصادر في “سعوديبيديا”، إدارة الجلسة التي تناولت أهمية السرد في تحويل الوقائع التاريخية إلى حكايات حية تعزز الانتماء وتمنح الشرعية وتفتح آفاق المستقبل، مستندة إلى نماذج سعودية تُطبق هذا المفهوم على أرض الواقع.

الفارق بين التوثيق والسرد

أوضح المتحدث أن التوثيق يقتصر على الإجابة عن سؤال “ماذا حدث؟”، في حين يضيف السرد بُعدًا أعمق من خلال سؤال “ماذا يعني ذلك لنا؟”. وأشار إلى أن تحويل الماضي إلى سرد يتطلب انتقاء اللحظات ذات الدلالة، وصياغتها في إطار قصصي يوجهها نحو هدف حالي يسهم في بناء الثقة والفخر.

نماذج سعودية للسرد المؤسسي

استعرض الحربي ثلاثة أمثلة معاصرة تُظهر مستويات مختلفة من السرد المؤسسي التاريخي. الأول هو ملتقى التاريخ العسكري الذي تنظمه وزارة الدفاع بالتعاون مع دارة الملك عبدالعزيز وجامعة الطائف، ويُصنّف كنوع من السرد الأكاديمي التوثيقي. الثاني هو متحف “الذهب الأسود” في الرياض، الذي يحول قصة اكتشاف النفط إلى تجربة فنية وإنسانية تتجاوز الطرح التقني الجاف. أما الثالث فـ “بوابة الدرعية”، فيُقّدم كسرد مكاني تجريبي يجمع بين البعدين الثقافي والاقتصادي.

السرد كجسر بين الأجيال

سلط الحربي الضوء على ضرورة توجيه السرد نحو الفئة الشابة التي لم تشهد بدايات التحول الاقتصادي والاجتماعي، موضحًا أن نحو سبعين بالمئة من سكان المملكة لا يتجاوزون الخامسة والثلاثين من العمر، وبالتالي لا يملكون ذاكرة مباشرة لتلك المرحلة. وأكد أن تحويل الذاكرة التواصلية إلى ذاكرة ثقافية مستدامة يتطلب استثمار المتاحف والمعارض والفعاليات الوطنية.

كما أشار إلى تجربة شركة “سابك” في إعداد تقارير شاملة تجمع بين لغة الأرقام والسرد القصصي، معتبرًا إياها نموذجًا لتكامل التحليل المالي مع الهوية المؤسسية.

نقاش وتوصيات لإنشاء سرد مؤسسي فعال

اختتمت الجلسة بحوار غني تناول دور الزخم الإعلامي والاحتفالي المصاحب للمناسبات الوطنية الكبرى، معتبرًا إياها منصات لنقل الذاكرة بين الأجيال. وقد توجت المناقشة بمجموعة من التوصيات العملية لبناء سرد مؤسسي قوي، من بينها صياغة قصة جوهرية واحدة تجسد الرؤية والرسالة، وإقامة فعاليات حية تُروى فيها تلك القصص، والتمييز بين الأرشيف كمورد والذاكرة كرأس مال حيوي يُستثمر.

تجدر الإشارة إلى أن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة تواصل من خلال هذه السلسلة من المحاضرات رفع الوعي بأهمية التاريخ في تكوين الهوية الوطنية، بما يتماشى مع مسار رؤية المملكة 2030 التي تضع التراث والثقافة كأحد محاور التنمية الاقتصادية والاجتماعية.