جذور الانتماء في أحضان الجبال
الإنسان، مهما طالت به الحياة، يظل مخلصاً للبقعة التي شهدت خطواته الأولى، وتعلم فيها دروس البدايات، وصنعت أجمل لحظات عمره. ولدت في مكة المكرمة، ثم انتقلت مع والدي، الشيخ محمد بن عبدالوهاب آل الشيخ -رحمه الله- عندما صدر قرار تعيينه رئيساً لهيئة البادية في أبها، وكنت حينها في الخامسة أو السادسة من عمري. لم أكن أعلم حينها أن هذه الرحلة ستكون فاتحة علاقة تمتد لعقود مع منطقة تظل حاضرة في قلبي ما بقيت.
محطات تعليمية ونماذج إنسانية
في أبها، بدأت مسيرتي الدراسية في المدرسة السعودية، ثم انتقلت إلى مدرسة الفيصلية، فمتوسطة البحار. في تلك المؤسسات تعلمت العلم والانضباط، وتشرفت بلقاء معلمين فضلاء وزملاء أصبح كثير منهم جزءاً من ذاكرة العمر. كانت أبها في ذلك الزمن مدينة هادئة، تزدان بالضباب، وتحتضنها الجبال، وتملؤها دفء العلاقات الإنسانية. كان أهل عسير نموذجاً في الكرم وصدق المعاملة ونبل الأخلاق، وهي صفات بقيت ملازمة لهم عبر الأجيال.
من البساطة الفطرية إلى الريادة التنموية
عرفت عسير قبل أن تصبح وجهة عالمية للسياحة، وقبل أن تتصدر المشهد التنموي في المملكة. عرفتها في بساطتها وجمالها الطبيعي، واليوم أرها وهي تعيش مرحلة استثنائية من التطور والازدهار، حتى أصبحت واحدة من أبرز مناطق المملكة في التنمية والسياحة والثقافة والاستثمار. ليس هذا بمستغرب، في ظل ما تحظى به المنطقة من دعم كريم من القيادة الرشيدة، وما يقوده أمير منطقة عسير الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز من رؤية طموحة وعمل دؤوب، جعلا من عسير ورشة عمل لا تهدأ، ومشروعاً وطنياً متجدداً يستثمر في الإنسان والمكان معاً، ويسير بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
ويشاركه هذه المسيرة المباركة نائب أمير منطقة عسير الأمير خالد بن سطام بن سعود بن عبدالعزيز، بما يبذله من متابعة ميدانية وجهود متواصلة، وروح عمل تكاملية، كان لها أثر واضح في تسريع وتيرة الإنجاز وتعزيز جودة الأداء والخدمات. كما تستحق أمانة منطقة عسير كل التقدير، بقيادة أمينها، على ما تشهده مدن ومحافظات المنطقة من تطوير للمشهد الحضري، وتحسين للخدمات، واهتمام بالحدائق والطرق والميادين والمرافق العامة، مما يجعل عسير أكثر جمالاً وجاذبية، مع المحافظة على هويتها العمرانية والتراثية الأصيلة.
ذاكرة تتجدد في خدمة الوطن
ما تحقق في عسير خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد مشروعات تنموية، بل هو تحول شامل في الفكر والتخطيط وجودة الحياة، وهو ما يبعث على الفخر والاعتزاز لكل من عرف هذه المنطقة وأحبها. ولعل من جميل الأقدار أن تتجدد صلتي بعسير من خلال عضويتي في مجلس إدارة صحيفة «الوطن» التي ارتبط اسمها بهذه المنطقة منذ انطلاقتها، وكانت ولا تزال منبراً وطنياً رصيناً يحمل رسالة الإعلام المسؤول، ويواكب مسيرة التنمية في وطننا الغالي. أشعر أن هذه المسؤولية الجديدة ليست سوى امتداد لعلاقة قديمة مع عسير، وعهد متجدد بالعمل لخدمة وطننا، والإسهام في دعم الإعلام الوطني الذي يمثل أحد أهم أدوات بناء الوعي وتعزيز الانتماء.
لقد علمتني عسير أن قيمة الإنسان بما يقدمه لوطنه، وأن أجمل الذكريات هي تلك التي تتحول إلى دافع للعطاء، وأن الوفاء للمكان ليس كلمات تقال، بل عمل يستمر، ومحبة تبقى، مهما تعاقبت السنوات. وفي الختام… إلى أهل عسير الكرام… لكم مني صادق المحبة، وعظيم التقدير، وخالص الدعاء. ستبقون دوماً أهل الوفاء، وأصحاب المواقف النبيلة، ووجوهاً مشرقة في سجل الوطن.






