لا تزال في كثير من المتراكبات الحضرية علاقة الإنسان بالشارع تُبنى على مبدأ “المركبة أولًا”، كما لو أن الشوارع صُنعت لتسهيل عبور السيارات على حساب حياة الناس. عندما تُهمل الأرصفة، وتُختصر معابر المشاة، وتغيب عناصر الأمان والجمال والراحة، لا نفقد مجرد تفاصيل بنائية، بل نتنازل عن جزء أساسي من العدالة الاجتماعية.
مفهوم العدالة المكانية وأهميته
العدالة المكانية لا تُعدّ مجرد شعار يُردد في المؤتمرات، بل هي فكرة حضارية ترتكز على حق الإنسان في الوصول الآمن والمتساوي إلى المدينة ومرافقها. الطفل، وكبير السن، وذوو الإعاقة، والمرأة، والعامل، والطالب، وحتى السائح، يجب أن يشعروا أن التخطيط العمراني صُمم لتلبية احتياجاتهم، لا أن يُجبروا على التكيف مع بنية غير ملائمة.
العقبات الثقافية أمام تحسين الشوارع
يُنظر أحيانًا إلى أي مشروع لتوسيع الأرصفة أو إنشاء مسارات مشاة على أنه انتهاك لراحة السائق، وكأن حق المشي الآمن يُقارن بتوفير دقيقة إضافية خلف المقود. هذا النمط الضيق من التفكير يُظهر فجوة ثقافية أعمق من مجرد معارضة مشروع عمراني. فمعايير المدينة الحديثة لا تُقاس بعدد الجسور أو الأنفاق، بل بقدرتها على حماية كرامة المشاة داخل الفضاء العام.
نماذج دولية تُعيد ترتيب الأولويات
في مدن متعددة حول العالم أصبح مفهوم العدالة المكانية جزءًا أساسيًا من سياسات التخطيط. في كوبنهاغن الدنماركية، أعيد تصميم الشوارع لتقليل هيمنة السيارات ومنح المشاة وراكبي الدراجات أولوية واضحة، مما جعل المدينة من بين الأكثر جودة للحياة. وفي برشلونة الإسبانية، تم تطبيق نموذج “السوبر بلوك” الذي يحد من دخول السيارات إلى أحياء مختارة ويعيد الشوارع إلى السكان، مع توفير مساحات إنسانية. أما في سنغافورة، فقد تم دمج النقل العام، والمشاة، والمساحات الخضراء في رؤية موحدة تجعل المدينة أكثر عدلاً وكفاءة واستدامة.
فرصة التحول في المملكة
المملكة تشهد تحولات حضرية واسعة ضمن رؤية 2030، وتُتاح الآن فرصة تاريخية لإعادة تعريف مفهوم المدينة السعودية. المشروعات الكبرى في الرياض وجدة والشرقية وغيرها تُفتح باباً لتطبيق أكواد تصميم عمراني أكثر صرامة بخصوص الأرصفة، ووسائل التهدئة المرورية، وإمكانية الوصول، والمسارات المظللة، وربط الأحياء بالخدمات.
تطبيق العدالة المكانية لا يتطلب استنساخ صريح لتلك التجارب، بل يستلزم تكييف ذكي يتماشى مع مناخ المملكة وثقافتها وطبيعة مجتمعها. يمكن مثلاً إنشاء أرصفة واسعة ومظللة تتناسب مع حرارة الصيف، وربط المدارس والمساجد والحدائق بمسارات مشاة آمنة، وتطبيق معايير موحدة لمعابر المشاة في جميع المدن، وربط منح التراخيص البلدية بالالتزام الفعلي بجودة المشهد الحضري وليس بالمظهر السطحي فقط.
نجاح هذا التحول يتطلب أيضًا تغييرًا ثقافيًا موازًا. لا يمكن بناء مدينة عادلة إذا استُقبل المشاة كعقبة مرورية. احترام الإنسان في الطريق هو جزء لا يتجزأ من عملية التحضر، والاعتراف بأهمية الفضاء العام يعكس وعي المجتمع بمستقبله.
المدينة العادلة لا تُعادي السيارات، بل لا تجعل الإنسان الحلقة الأضعف في نظامها. عندما يصبح الطفل وكبير السن وذوو الإعاقة والمشاة جميعًا يشعرون بالأمان والكرامة أثناء تنقلهم، يكون ذلك دليلًا على أن التطوير لم يقتصر على تحسين الشوارع فحسب، بل شمل تطور مفهوم الحياة داخل المدينة نفسها.






