عاجل
٣٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الثلاثاء، 16 يونيو 2026
الرياض +18°C

الأمن الإعلامي في ظل التحول الرقمي: تحديات وإجراءات في المملكة

16/06/2026 09:02

أظهر النقاش المتصاعد أن مفهوم الأمن الإعلامي لم يعد يقتصر على المؤسسات الصحفية فقط، بل انتقل إلى صلب منظومة الأمن المجتمعي الشامل. ومع انتشار التقنية الرقمية وتزايد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومات تنتقل إلى شريحة واسعة من الناس في لحظات معدودة، ما يجعل الشائعات أو الأخبار الزائفة قادرة على تشكيل الرأي العام وإثارة مخاوف جماعية، وقد تمتد تبعاتها إلى قرارات وسلوكيات الأفراد اليومية.

تجربة جائحة كورونا وتداعيات التضليل

لم يغفل أحد من آثار جائحة كورونا، حيث سادت معلومات غير دقيقة حول الفيروس، سبل العلاج، واللقاحات المتصلة به. هذا الانحراف الإعلامي دفع العديد من الهيئات الدولية إلى إصدار تحذيرات بشأن خطر التضليل على الصحة العامة.

الفبركة الرقمية وأهمية الوعي الإعلامي

تزايدت في الآونة الأخيرة عمليات الفبركة الرقمية التي تنتج صورًا وفيديوهات يصعب على المتلقي العادي التأكد من صحتها. هذا الواقع أبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي الإعلامي وتدريب الأفراد على مهارات التحقق من المحتوى.

تحذير الأمم المتحدة وأسلوب المواجهة

في تقرير صادر عن الأمم المتحدة حول مكافحة التضليل الإعلامي، أكدت المنظمة أن الأخبار الزائفة تؤثر سلبًا على الصحة العامة، وعلى استجابة المجتمعات للأزمات، وعلى استقرار السلم الاجتماعي. وأشارت إلى أن التصدي لهذه الظاهرة لا يقتصر على الحظر، بل يتطلب رفع مستوى الوعي وتعزيز قدرة الجمهور على فحص مصادر المعلومات، معتبرةً ذلك من أهم أدوات الحماية في العصر الرقمي.

المبادرات السعودية ضمن رؤية 2030

لم يترك الأمن الإعلامي في المملكة العربية السعودية مجالًا للانفصال عن مسار التحول الرقمي المرسوم في إطار رؤية 2030. فقد تزامن ذلك مع بناء منظومة شاملة لحماية الفضاء المعلوماتي وتعزيز موثوقية المحتوى. وشهدت الفترة الأخيرة تطوير القوانين المتعلقة بالجرائم المعلوماتية وحماية البيانات، إلى جانب تقوية أدوار مؤسسات محورية مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، اللتين تشكلان دعائم أساسية في إدارة الفضاء الرقمي وحوكمته.

تتعامل الجهات المختصة في السعودية مع قضايا التضليل الإعلامي والمحتوى غير الموثوق كأنها مخالفات تمس ثقة المستهلك وسلامة البيئة الرقمية، وليس مجرد تجاوزات عابرة. يأتي ذلك في إطار تشريعي ورقابي متكامل يهدف إلى ضبط الإعلانات الإلكترونية، ومكافحة الممارسات المخادعة على المنصات الرقمية، وتعزيز الشفافية في السوق الرقمي، ما يضمن حماية المستخدمين ويقوي موثوقية المعلومات المتداولة.

تشير الجهات المشرفة على قطاعات الإعلام والاتصالات والتجارة إلى أن تعاملها مع المحتوى المضلل لا يقتصر على إصدار توجيهات أو تحذيرات، بل يشمل اتخاذ إجراءات نظامية وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، لضمان صون المجتمع من آثار المعلومات غير الموثوقة وتثبيت بيئة رقمية أكثر انضباطًا وثقة.

رغم قوة هذه الجهود والتشريعات، تظل مجرد جزء من المعادلة الكلية. فالأمن الإعلامي لا يتحقق بالأنظمة وحدها، بل يعتمد أساسًا على وعي الفرد وقدرته على التمييز بين الحقيقة والباطل. المجتمع الذي يستهلك المعلومات دون تمحيص يظل عرضة للتأثير بغض النظر عن صلابة الإطار المؤسسي المحيط به.

من هذا المنطلق، نستنتج أن الأمن الإعلامي هو امتداد طبيعي للأمن المجتمعي، ولا يمكن تحقيقه بمعزل عن تكامل المؤسسات وتآزر أدوارها. في زمن تتسارع فيه تدفقات المعلومات وتتنوع أدوات التأثير، تصبح حماية الوعي العام مسؤولية لا تقل أهمية عن أي ركيزة أمنية أخرى، وتستدعي معادلة تجمع بين التنظيم والتشريع من جهة، والوعي النقدي للفرد من جهة أخرى.

للنشر و الاعلان