البحث في الحقول
تجري بريتش، طالبة الدراسات العليا بجامعة سيدني، دراسة علمية حول المواقد النارية في مواقع ما قبل التاريخ بمحافظة العلا، بهدف فهم أنماط الاستثمار البشري وطرق استغلال الموارد الطبيعية. وقد أدى مسار البحث بها إلى جنوب المملكة، حيث لا تزال بعض مظاهر الحياة الزراعية التقليدية قائمة، ما يتيح لها مقارنتها بالأدلة الأثرية المتوفرة.
ذاكرة الكبار
في حديثها لصحيفة “الوطن” أوضحت الباحثة أن اختيارها لمنطقتي جازان وعسير جاء لاستمرار الموروث الزراعي والرعوي فيهما، لا سيما تربية الأبقار والثيران البلدية التي شكّلت جزءًا أصيلًا من حياة المجتمعات الزراعية. وأضافت أن دراستها تقارن بين الممارسات التقليدية والحديثة لرصد التحولات التي طرأت على الزراعة، مشيرة إلى أن جانبًا مهمًا من المعارف المتعلقة بالمحاصيل وتربية الحيوانات وأساليب العمل في الحقول لا يزال محفوظًا في ذاكرة كبار السن أكثر مما هو موثق في الكتب والسجلات.
جسر إلى الماضي
وأكدت بريتش أن زراعة الذرة والدخن، واستخدام الثيران في حراثة الأرض، والاستفادة من الأبقار في إعالة الأسر، إلى جانب وسائل الري والزراعة التقليدية، تمثل شواهد تساعد على فهم طبيعة المجتمعات الزراعية وعلاقتها بالأرض والموارد. وحذّرت من فقدان هذه المعارف مع رحيل كبار السن، مؤكدة أهمية توثيق الرواية الشفوية قبل اندثار تفاصيلها.
رواية تحفظ التراث
ترى الباحثة أن نتائج بحثها يمكن أن تسهم في ربط الممارسات التقليدية بالأدلة الأثرية وتعزيز توثيق التراث غير المادي، مشددة على أن السعودية تمتلك تنوعًا ثقافيًا وبيئيًا وزراعيًا يتجاوز الصورة النمطية المرتبطة بالصحراء. ومن جانبه أوضح الباحث في التراث علي مدخلي أن لقاءه بالباحثة، برفقة طالب الدكتوراه فهد بغدادي، جاء بتنسيق من مركز التراث في جازان، وتناول تاريخ الأبقار البلدية وأدوات الزراعة وأنواع التربة وأسباب تراجع الرعي. وشدّد على أن الأبقار كانت ركيزة في حياة الأهالي، سواء في إنتاج الحليب والسمن أو حراثة الأراضي، قبل أن يتراجع حضورها مع تغير أنماط المعيشة ودخول الوسائل الحديثة، محذّرًا من ضرورة توثيق الروايات الشفوية لحفظ ذاكرة المنطقة ونقلها إلى الأجيال المقبلة.






