من منصة إلى مؤسسة: مسار النضج
انطلقت المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» في عام 2021 بدعم وطني وتكليف من الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا». لم تقتصر الفكرة على إنشاء بوابة رقمية لاستقبال التبرعات، بل سعت إلى وضع نموذج جديد للعمل الخيري الرقمي يستند إلى استعمال التقنية والبيانات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وربط الراعي بالفرصة، والفرصة بالمشروع، والمشروع بالمستفيد. شكّلت البداية نافذة أمل حقيقية؛ وجد المتبرعون وأصحاب الأعمال فيها مكاناً موثوقاً يضعون فيه عطاءهم، بينما وجدت الجمعيات الأهلية فيها قناة منظمة للوصول إلى فرص التمويل، وحصل المستفيدون على نظام يهدف إلى إيصال الدعم لهم بكفاءة تحافظ على كرامتهم وتضاعف أثر العطاء.
انتقلت «إحسان» بالعمل الخيري من سؤال كم جمعنا إلى سؤال ما الذي حققه هذا العطاء؟ فالتبرع الذي يصل إلى مشروع صحي قد يعيد للمريض عافيته، والذي يذهب إلى سكن قد يوفر للأسرة استقراراً، والذي يوجه إلى التعليم قد يفتح أمام طالب طريقاً جديداً في الحياة، والذي يدعم التمكين قد يساعد مستفيداً على الانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج. وبذلك يتحول المال الخيري من إنفاق آني إلى أثر قابل للامتداد. خلال أكثر من خمس سنوات استقبلت المنصة أكثر من 440 مليون عملية تبرع بلغت قيمتها الإجمالية 17 مليار ريال، وفق البيان الرسمي الصادر anlässlich التحول المؤسسي. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم التدفقات المالية، بل تعكس مستوى الثقة المجتمعية في منظومة وطنية جعلت العطاء أكثر سهولة وتنظيماً، وربطت الراعي بفرص الخير في مجالات متنوعة.
التقنية في خدمة الإنسان
أحد أوجه التميز في تجربة «إحسان» أنها جعلت التقنية وسيلة لخدمة هدف إنساني نبيل، وليس غاية بحد ذاتها. تُستعمل التقنية لتسهيل عملية التبرع، وتنظيم الفرص المتاحة، وتحسين تجربة المتبرع، ودعم الجهات غير الربحية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، بما يسهم في تعظيم أثر الموارد الموجهة للعمل الخيري. таким образом، يصبح التحول الرقمي في المجال الخيري وسيلة لتقريب البشر من بعضهم بعضاً. كلما أصبحت رحلة التبرع أوضح وأسهل وأكثر موثوقية، زادت قدرة المجتمع على المشاركة في الخير، وتصبح الموارد الخيرية أكثر قدرة على الوصول إلى البرامج والمشروعات التي تحتاجها المجتمعات والمستفيدون.
الجمعيات من الرعاية إلى التمكين
يصل أثر «إحسان» إلى الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تمثل عماد القطاع الثالث. عندما تحصل الجمعية على فرص تمويل منظمة لمشروعات ذات أهداف واضحة، تصبح أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والتوسع، وتنتقل تدريجياً من التعامل مع الاحتياج بوصفه حالة آنية إلى بناء برامج تنموية تعالج الاحتياج وتبحث عن أسبابه وسبل الحد منه. بذلك تساهم التجربة في الانتقال من العمل الرعوي إلى العمل التنموي؛ فالرعاية تسد الحاجة، بينما التنمية تبني القدرة. كذلك فإن الدعم العاجل يقي الإنسان من الأزمات، في حين يفتح التمكين أمامه فرصة جديدة. وبهذا لا يصبح تمويل الجمعية مجرد دعم لنشاط خيري، بل استثماراً في قدرتها على الاستمرار، وتطوير خدماتها، ورفع كفاءتها، وتعظيم أثرها في المجتمع.
رؤية 2030 ومستقبل القطاع الثالث
ترتبط تجربة «إحسان» مباشرة بأهداف رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى القطاع غير الربحي كشريك أساسي في التنمية الوطنية، وتسعى إلى رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030. لا يمكن تحقيق هذا الطموح jedynie بزيادة عدد المنظمات غير الربحية؛ بل يتطلب بناء قطاع أكثر كفاءة واستدامة قادر على تنمية موارده، وتطوير خدماته، وقياس أثره، وتوسيع مشاركته في الاقتصاد والمجتمع. ومن هنا تبرز أهمية «إحسان»؛ فهي تمكّن الجمعيات من الوصول إلى موارد التبرعات، وتسهّل وصول المتبرعين إلى المشاريع، وتعزز الحوكمة والشفافية، وكل ذلك يرفع قدرة القطاع الثالث على العمل والنمو والاستدامة. لا يعني ذلك أن ارتفاع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي يُنسب إلى «إحسان» وحدها؛ فهذا التحول ثمرة منظومة وطنية متكاملة تشارك فيها الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية. ومع ذلك أصبحت «إحسان» إحدى الأدوات الوطنية المهمة في تمكين هذا القطاع وتعظيم قدرته على صناعة الأثر. كل جمعية تصبح أكثر استدامة، وكل مشروع تنموي يحصل على تمويل، وكل مستفيد ينتقل من الاحتياج إلى التمكين، يمثل إضافة إلى القوة الاجتماعية والاقتصادية للقطاع الثالث.
في 20 أغسطس 2026 صدر أمر ملكي كريم بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري». لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في المسمى أو الصفة النظامية، بل شكّل مرحلة جديدة من النضج المؤسسي. كانت المنصة قد بنت خلال سنواتها الماضية الثقة، وتوسعت قاعدة المتبرعين، وطورّت نموذجاً رقمياً للعمل الخيري، وتمكّنت الجهات غير الربحية، وعظمت أثر التبرعات. أما المؤسسة فدخلت المرحلة المقبلة بصلاحيات أوسع ومرونة أكبر، وقدرة أعلى على تحفيز الابتكار وتطوير خدمات «إحسان»، ودعم البرامج والخدمات والمنصات غير الربحية المعنية بالتبرعات، وتوحيد الجهود التقنية والفنية للعمل الخيري والتنموي. كما منحها هذا التحول قدرة أكبر على تعزيز الاستدامة والحوكمة، ومواكبة المتغيرات، والإسهام بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة في رفع كفاءة القطاع غير الربحي، وتعزيز ثقافة العمل الإنساني والتطوع والتبرع والمسؤولية الاجتماعية.
إن أعظم ما يمكن قياس تجربة «إحسان» به ليس حجم الأموال التي مرت عبر المنصة فقط، بل حجم التغيير الذي أحدثته في حياة الناس. فجودة الحياة ليست مباني وطرقاً وخدمات فحسب؛ إنها أيضاً مريض يجد العلاج، وأسرة تجد السكن، وطالب يجد فرصة للتعليم، وشاب يجد فرصة للتمكين، ومحتاج يجد من يقف معه ويحفظ كرامته. عندما يتحول التبرع إلى خدمة، والخدمة إلى تمكين، والتمكين إلى استقرار وإنتاج، يصبح العطاء أحد مكونات جودة الحياة. وبهذا يلتقي العمل الخيري مع أهداف التنمية الوطنية لأن الإنسان هو المستفيد النهائي من كل منظومة تنموية ناجحة. ولقد بدأت «إحسان» بفكرة طموحة: جمع الخير في منصة واحدة. ثم نضجت التجربة لتصبح منظومة وطنية موثوقة للعمل الخيري الرقمي تقوم على الحوكمة والشفافية، وتربط الراعي بالمشروع، والجمعية بالممول، والمستفيد بالأثر. واليوم تنتقل إلى مرحلة جديدة بوصفها مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح. لذا فإن سؤال مستقبل «إحسان» لا ينبغي أن يقتصر على: كم ستجمع في السنوات المقبلة؟ بل الأهم: كم إنساناً ستمكّن؟ وكم جمعية ستصبح أكثر استدامة؟ وكم مشروعاً سيتحول من فكرة إلى أثر؟ وكم قيمة اجتماعية واقتصادية ستضيفها إلى الوطن؟ عندما تتحول التبرعات إلى مشروعات، والمشروعات إلى تمكين، والتمكين إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، فإننا لا نتحدث عن عمل خيري بالمعنى التقليدي فقط؛ بل نتحدث عن قوة تنموية تسهم في بناء مجتمع أكثر تكافلاً، وقطاع غير ربحي أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر شمولاً. وهكذا تصبح «إحسان» أكثر من منصة، وأكثر من قناة للتبرع؛ تصير شرياناً يغذي القطاع الثالث، وجسراً يصل الراعي بالمستفيد، وأداة لتحويل العطاء إلى أثر، والأثر إلى تنمية، والتنمية إلى جودة الحياة. إذا كانت رؤية السعودية 2030 قد فتحت للقطاع غير الربحي طريقاً واسعاً نحو المستقبل، فإن «إحسان» تقدم نموذجاً وطنياً يؤكد أن الخير حين تدعمه التقنية، وتحكمه الحوكمة، وترسخه الثقة، ويُقاس أثره، يستطيع أن يتحول من قيمة إنسانية نبيلة إلى قوة تنموية مستدامة. وهذا هو الفصل الجديد في قصة «إحسان»: من منصة تجمع الخير إلى مؤسسة تصنع الأثر إلى شريك وطني في بناء مستقبل القطاع غير الربحي.






