عاجل
٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأحد، 14 يونيو 2026
الرياض +16°C

الأمومة بين الفطرة والوعي: سؤال حول مسؤولية الإنجاب

14/06/2026 01:01

في لحظة هادئة، تجلّى أمامي مشهد لطفلة لم تتجاوز سن العاشرة، تعكس نظراتها سكينةً وثقةً نفسيةً لا يراها إلا من يملك حسًا ملاحظًا. هذا الهدوء الفريد أثار في داخلي تساؤلاً حول طبيعة التربية ودور الأم في بناء هذا التوازن.

التحضير النفسي للأمومة

الطفلة التي رأيتها هي ابنة صديقة مقربة، ولم تأتِ بأحوالها إلى الصدفة ولا نتيجة عاطفة عابرة، بل هي ثمرة عملية «استعداد وتحضير» نفسي خاضتها الأم قبل أن تخطو أولى خطواتها في الحياة. شاركتني الصديقة، بكرمها، تفاصيل رحلتها في تهيئة نفسها لهذه المرحلة الانتقالية، وكيف صقلت وعياًها لاستقبال كائن جديد.

هل الأمومة فطرة أم فعل واعٍ؟

من هذا المنطلق، تبلورت لدي فكرة جوهرية: هل تُولد الأمومة كغريزة بيولوجية لا تحتاج إلى تدريب، أم أنها «فعل» يتطلب تنمية مهارات متعددة؟ وإن كانت فطرة، فهل تكفي هذه الغريزة وحدها لتكوين إنسان مستقر ومجتمع منتج وواعي؟

الرؤية الشمولية للأمومة

أرى أن الأم لا يمكن أن تقتصر على الظهور الجسدي فحسب، بل يجب أن تجمع بين الحضور الذهني والنفسي والجسدي معًا. هي تجربة فريدة تهدف إلى تهذيب الروح البشرية، وتعيد صياغة الذات لتتعامل مع الأطفال كـ«ضيوف مؤقتين». فالأطفال ليسوا ملكًا لنا؛ نحن نرافقهم بوعي، نعيش معهم الحاضر، ثم نودّعهم ليبنوا عوالمهم الخاصة. يرن صدى كلمات جبران خليل جبران في هذا السياق: “أولادكم ليسوا لكم.. هم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم”. استيعاب هذا المفهوم يُعد جوهر الأمانة؛ فإما أن تتحول مسيرتهم إلى مصدر فخر، أو تنقلب إلى سلسلة لا تنتهي من الصدمات.

تحديات المسؤولية المبكرة

مع أن النموذج المضيء يُظهر وجهًا مشرقًا، لا يمكن إنكار الجانب الآخر من الحقيقة. كثيرًا ما نجد أنفسنا في مرحلة عمرية مبكرة، قبل أن نتمكن من فهم ذواتنا، نُجبر على تحمل مسؤولية الذات والعائلة دون المرور بمرحلة الفهم والاستيعاب. لا نكون نحن صانعي القرار الحقيقي في هذه التجربة؛ فالقرارات تُتخذ بموافقة الجميع ما عدا المعنيين مباشرة. نتبع سلطة الوالد أو الوصي، ثم نواجه مسؤولية لم نختَر توقيتها أو حجمها. لذا يجب على كل أم أن تسأل نفسها بصدق قبل اتخاذ قرار الإنجاب: هل ينبع القرار من رغبة شخصية أصيلة، أم هو مجرد استجابة لضغوط المجتمع والعادات؟

إن غياب هذا الوعي يفسّر حوادث العنف ضد الأطفال وحالات الإهمال التي تُنتج أفرادًا غير مستقرين نفسيًا، ما يدفعهم إلى الانحراف عن مسار حياة هانئة. الشجاعة الحقيقية تظهر حين نتحرر من القيود ونُدرك أن الحياة لا تُشبهنا، فنقرر كسر سلسلة “الألم النازف” لمنع توريثها للأجيال القادمة. إن إنجاب الأطفال مسؤولية وجودية عظيمة، فهل هي حقٌ مشاع للجميع؟ قد تنشأ الصحوة يوماً ما، لكن من يملك الجرأة للوصول إليها؟

الإقرار بأن هذه المسؤولية قد لا تناسب الجميع لا يقلل من القيم، بل يُعَدّ أعلى درجات الصدق مع الذات ومع الأرواح الصغيرة التي تستحق أن تُستقبل في عالمٍ محبٍ ومستعدٍ لاحتضان أحلامها.

للنشر و الاعلان