في فعالية “تركيبة” التي نظّمها قسم الكيمياء بجامعة الملك سعود، تم التركيز على الجانب العلمي لصناعة العطور، مبينين كيف تتحول الجزيئات الكيميائية الدقيقة إلى تجارب حسية ونفسية معقَّدة.
آلية الشم وتأثيرها على الدماغ
تبدأ عملية الشم عندما تنتقل الجزيئات المتطايرة عبر الهواء إلى الأنف، حيث ترتبط بمستقبلات شمية خاصة. هذه المستقبلات تنقل إشارات عصبية إلى البصلة الشمية الموجودة في مقدمة الدماغ، وتنتقل الإشارات مباشرة إلى الجهاز الحوفي المسؤول عن العواطف والذاكرة، دون المرور بالمسارات العصبية التقليدية التي تتبعها الحواس الأخرى.
هذا المسار العصبي الفريد يفسّر الارتباط القوي بين الروائح والذكريات؛ فمجرد استنشاق عطر، بخور، أو رائحة مكان قديم قد تستدعي تفاصيل دقيقة من مراحل سابقة عاشها الإنسان، وتعيد إحياء المشاعر المرتبطة بتلك اللحظات.
يؤكِّد رئيس قسم الكيمياء بجامعة الملك سعود، محمد رافع بن هتشان، أن تأثير العطور لا يقتصر على الرائحة بحد ذاتها، بل يتضمن تفاعلًا كيميائيًا وحسيًا ونفسيًا معقَّدًا يختلف من شخص لآخر بحسب حساسيته للمركبات وتجربته الشخصية معها.
كيمياء العطر وتراكيبه
تعتمد صناعة العطور على مزج مركبات كيميائية متطايرة بنسب دقيقة؛ فطبيعة الجزيئات، حجمها، وسرعة تبخرها تحدد الرائحة النهائية وثبات العطر. يشرح العلماء هذه العملية عبر نظرية “القفل والمفتاح” التي تفترض أن مستقبلات الشم تستجيب للجزيئات المتوافقة مع بنية القفل، كما لا يفتح القفل إلا بالمفتاح المناسب. لذا قد تحمل مركبات مختلفة الصيغة الكيميائية نفسها، لكنها تُظهر روائح مختلفة نتيجة لاختلاف ترتيبها الفراغي.
تُقسم العطور عادة إلى ثلاث طبقات رئيسية: النوتات العليا، التي تتسم بخفة وسرعة تبخرها مثل الروائح الحمضية، وتُشكِّل الانطباع الأول للعطر؛ ثم النوتات الوسطى التي تعبر عن شخصية العطر الأساسية؛ وأخيرًا النوتات القاعدية الأكثر ثباتًا مثل المسك والعنبر وخشب الصندل. يتطلب الوصول إلى تركيبة متوازنة دقة عالية في مزج المكوّنات، إذ إن أي تعديل بسيط في تركيز أحد المركبات قد يغيّر الطابع الكامل للعطر ويؤثر على ثباته أو حدته.
تنوع التفضيلات العطرية
على الرغم من وجود أسس علمية واضحة في صناعة العطور، يبقى تفضيل الروائح مسألة نسبية تختلف من شخص لآخر. يفضل بعض الأشخاص الروائح الزهرية والهادئة، بينما ينجذب آخرون إلى الروائح الشرقية أو الخشبية أو الحمضية. يتأثر هذا الاختلاف بعدة عوامل، منها طبيعة المستقبلات الشمية، التجارب الشخصية، الذكريات المرتبطة بالرائحة، إضافة إلى تفاعل العطر مع الجلد ودرجة حرارة الجسم.
تُستَخدم في صناعة العطور مجموعة متنوعة من المركبات التي تمنح خصائص مختلفة للرائحة؛ فالإسترات تُضفي طابعًا فاكهيًا ومنعشًا، بينما تُدخل التيربينات روائحًا عشبية وزهرية، وتُعطي الألدهيدات إحساسًا بالنظافة والانتعاش.
تلعب البيئة والثقافة دورًا مهمًا في تشكيل الذائقة العطرية؛ ففي المجتمعات العربية ترتبط بعض الروائح بالبخور، العود، والعنبر، بينما تميل ثقافات أخرى إلى الروائح الخفيفة أو الحمضية.
تأثير الروائح على الإدراك والوظائف النفسية
ليس تأثير الروائح محصورًا على الذاكرة والعاطفة فقط، بل يمتد إلى بعض الوظائف الإدراكية والنفسية. أظهرت دراسة أجرها باحثون في جامعة كاليفورنيا في إيرفاين على مشاركين تتراوح أعمارهم بين 60 و85 عامًا أن التعرض لروائح لطيفة أثناء النوم لمدة ستة أشهر ارتبط بتحسن ملحوظ في اختبارات الذاكرة.
تشير دراسات أخرى إلى أن بعض الروائح قد تُسهم في تقليل التوتر، تحسين جودة النوم، وزيادة التركيز، وهو ما يفسر انتشار استخدام الزيوت العطرية في تطبيقات علاجية واسترخائية.
بهذا الشكل، وفّق نشاط “تركيبة” إلى تعريف الطلاب بأساسيات علم العطور، مسلطًا الضوء على الروابط بين الجزيئات المتطايرة، الدماغ، والذاكرة، ومبرزًا دور الكيمياء في تشكيل تجارب حسية ونفسية فريدة.






