في خضم التطور الإداري الذي يشهده العالم اليوم، باتت المؤسسات تطبق مبادئ الإدارة الحديثة بشكل شبه تلقائي، من تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة. ومع تنامي الأعمال وتعدد الفرص وتسارع المتغيرات، وجد القادة أنفسهم أمام حاجة ملحة لاتخاذ قرارات استراتيجية وتشغيلية متواصلة، مما أدى إلى انتشار الاجتماعات المتكررة التي تهدف إلى المتابعة واتخاذ القرارات. غير أن هذه الاجتماعات، في كثير من الأحيان، تتحول إلى عبء ثقيل يستهلك الوقت والجهد، ويبتعد عن تحقيق الأهداف المرجوة، خاصة إذا لم تكن مبنية على أسس واضحة.
الاجتماعات غير المنظمة: استنزاف للوقت والجهد
إن الاجتماعات الإدارية التي لا تخضع لأجندة محددة، ولا تراعي ضوابط الوقت والحضور، ولا تُختتم بمحاضر رسمية أو آليات متابعة، كثيراً ما تسفر عن إرهاق المشاركين وإعاقتهم عن أداء أعمالهم الأساسية، بل وقد تؤثر سلباً على صحتهم النفسية والجسدية. وقد أشار الكاتب إلى أن هذه الاجتماعات قد تتحول إلى ما يشبه المرض المزمن الذي ينتقل بين القادة والأجيال، خاصة في ظل انتشار مقولة خاطئة مفادها أنه لا نجاح بدون اجتماعات.
دروس من بيتر دركر: نموذج للاجتماعات الفعالة
يستشهد الكاتب بتجربة بيتر دركر، الذي يُلقب بأبي الإدارة الحديثة، كقدوة في كيفية تنظيم الاجتماعات بشكل يضمن الفعالية والإنتاجية. فقد اعتمد دركر أسلوباً مبتكراً في إدارة اجتماعاته، حيث قسمها إلى أربعة أنواع رئيسية: اجتماع يومي قصير لا يتجاوز عشر دقائق، يُعقد مع الفريق لمناقشة أعمال اليوم واستعراض إنجازات الأمس؛ واجتماع أسبوعي مدته خمس وأربعون دقيقة لمراجعة مؤشرات الأداء؛ واجتماع شهري يستغرق ساعتين لمناقشة أداء الإدارات المختلفة، سواء كانت منخفضة أو مرتفعة الأداء؛ وأخيراً اجتماع شامل يُعقد كل ثلاثة أشهر خارج أسوار المؤسسة، ويجمع الموظفين المختصين على مدى ثلاثة أيام بهدف التطوير والتحسين وصناعة المبادرات الملهمة. هذا النموذج يؤكد أن الإدارة ليست علماً جامداً، بل هي فن يتطلب المرونة والقدرة على الابتكار، وهو ما أثبت دركر نجاحه فيه عبر مسيرته المهنية الحافلة.
إعادة التفكير في جدوى الاجتماعات
يدعو الكاتب القادة إلى التوقف لحظة للتأمل، ومحاسبة أنفسهم حول جدوى الاجتماعات التي يعقدونها. فكم من ساعة قضاها القائد في اجتماعات، سواء كانت محددة الأهداف أو غير محددة، وما مدى مساهمتها الفعلية في تحقيق المستهدفات الشخصية أو الربحية؟ في كثير من الأحيان، نجد أن الوقت المستغرق في هذه الاجتماعات يوازي أو يتجاوز الوقت المخصص للعمل الفعلي، وهو ما يمثل هدراً حقيقياً للوقت والموارد، كان يمكن استثماره بشكل أفضل.
مجالس الإدارة: نحو حوكمة أذكى
ويلفت الكاتب الانتباه بشكل خاص إلى اجتماعات مجالس الإدارة، التي تحتاج إلى قدر كبير من الحوكمة والوضوح. ففي كثير من الأحيان، ينشغل المجلس بمناقشة قضايا تنفيذية جانبية هي من صميم اختصاصات الرئيس التنفيذي، بدلاً من التركيز على القضايا الاستراتيجية الكبرى. سواء كان المجلس يمثل شركة كبرى يملك فيها رئيس المجلس حصة كبيرة، أو شركة عائلية، أو منظمة مجتمعية، فإن الساعات الطويلة التي تُهدر في مناقشة تفاصيل تنفيذية هي بمثابة مرض حقيقي يعيق التقدم. ويشدد الكاتب على ضرورة أن يرتقي المجلس بفكره، وأن يتبنى نظرة استراتيجية بعيدة المدى، وأن يتابع المؤشرات الإدارية العامة، مع منح الصلاحيات الكاملة للفريق التنفيذي لاتخاذ القرارات التشغيلية، وذلك لضمان نجاح المنظمات وتحقيق النتائج الإيجابية المنشودة.
وفي ختام مقاله، يدعو الكاتب إلى التحرر من القيود الفكرية والمدارس الإدارية التقليدية التي تعتمد على المتابعة الدقيقة المزعجة، ويحث على تطبيق المدارس الإدارية الحديثة التي تقود المؤسسات بكفاءة وفعالية، مع التركيز على الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة.






