عاجل
٢١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الأحد، 7 يونيو 2026
الرياض +16°C

قراءة في كتاب «الحداثة البدوية»: إعادة طرح أسئلة الحداثة العربية

معظم الذين راسلوا المؤلف علقوا على عنوان الكتاب «الحداثة البدوية» بوصفه اختزالاً مخلاً لا يعترف به علم الاجتماع التراثي عند ابن خلدون ولا بمعيار “علم اجتماع البداوة” كما هو متداول في الدراسات الحديثة، وأعربوا عن استغرابهم لاختيار صورة الغلاف التي تمثل قطعة من فن السدو بدلاً من صحراء وجمل، متناسين أن الفهم العلمي لمفهوم البداوة يحرر من الفهم التقليدي الذي جعل البدوي الجبلي في لبنان يظن نفسه مختلفاً عن البدوي الصحراوي في ليبيا والعكس، وأن الكتاب سيقودهم إلى تصورات علمية توسع المعنى الشعبي الضيق إلى رحابة المعرفة وترفع مستوى الوعي العربي عموماً، وهو ما دفع المؤلف لرؤية أن الإنتاج البشري في فن السدو يحتوي على ثيمة البداوة التي توحد المنطقة الممتدة من جبال زاغروس حتى سواحل نواكشوط.

الحداثة البدوية كمفهوم فخ

الكتاب ليس دراسة عن البدو بالمعنى الشعبي غير العلمي؛ هذا أول ما يجب على القارئ إدراكه. العنوان يعمل كفخ وكمصيدة في آن واحد، ومحتوى العمل كله محاولة لتفكيك هذا الفخ. عند المؤلف، «الحداثة البدوية» هي حالة معرفية واجتماعية تصيب أي مجتمع يتبنى أدوات الحداثة دون أن يستوعب مضامينها الحقيقية، أي حداثة ترتدي ثياب التقدم وتحمل داخلها روح القبيلة.

التمييز الجوهري بين البدوي والأعرابي

العنوان الفرعي يلخص السؤال المركزي: «انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي». يتساءل الكتاب لماذا تحول مشروع التنوير العربي من عقلانية حقيقية إلى عقلنة مزيفة، ولماذا تحولت الحرية من قيمة في ذاتها إلى نظام يحدد ما يجوز وما لا يجوز.

الأطروحة المركزية تقوم على تمييزين أساسيين:

أولاً: «البدوي حالة اجتماعية لا عرق». فالبَدوي موجود في صحاري أفريقيا، والجزر الإندونيسية الخضراء، وجليد الإسكيمو، والخليج العربي؛ أي إنسان يعيش على حد الكفاف وينتقل وراء مصادر الرزق يُعتبر بدوياً. وبالتالي البداوة عند المؤلف مفهوم ابن خلدوني: حالة اجتماعية وتاريخية لا صفة عرقية.

ثانياً: «الأعرابي هو السلوك الناتج عن البداوة المجنّدة». أي السلوك العنيف المتكبر عندما تُستغل البداوة لخدمة نخبة سياسية أو دينية أو قبلية. يكرر المؤلف التمييز أكثر من مرة: (ليس كل بدوي أعرابياً، لكن كل أعرابي بدوي). هذا التمييز يشكل العمود الفقري للكتاب، ومنه تنبثق «الحداثة البدوية» عندما تأخذ النخب العربية لغة الحداثة وأدواتها، وتحتفظ في جوهرها بمنطق الأعرابي: التعصب، والنهب، والولاء للقبيلة لا للدولة، والأسطورة لا العقل.

محاور الكتاب الثلاثة

المؤلف يبدأ بمدخل شخصي نظري يختلف عن المعتاد في الكتابة العربية، يروي رحلته الفكرية منذ مغادرته كلية الشريعة لاكتشاف أن زميله في نفس القاعة الدراسية في التسعينيات أصبح مفتياً لداعش؛ هذه التجربة ليست مجرد تفاصيل شخصية بل جزء من مسار فكري امتد قرابة عقدين من مؤلفات مثل «سياط الكهنوت/2008» مروراً بـ«حجامة العقل: بين العدمية والأدلجة»، «أضحية المعبد: المرأة واللغة»، «آلزهايمر تاريخ» وصولاً إلى «الحداثة البدوية/2026».

ثم ينتقل إلى ثلاثة محاور رئيسية:

المحور الأول: البداوة كحالة معرفية. يستند المؤلف إلى ابن خلرون لتعريف البداوة لا كعرق بل كحالة، ويتبعها عبر التاريخ من المغول إلى الأتراك إلى العرب إلى الأمازيغ، وحتى يرى في الصهيونية جذراً يعود إلى أسطورة الأنبياء البدو من بني إسرائيل؛ لذا البداوة لا تقتصر على الصحراء، بل يمارسها حتى صيادو البحر.

المحور الثاني: تفكيك الفكر العربي الحديث. يقرأ المؤلف أعمال الجابري، وطرابيشي، و허شام شرابي، وطه عبدالرحمن، وعبدالله العروي، وفيصل دراج، والصويان، وابن تنباك، والغذامي وغيرهم، ليكشف كيف أن العديد من هذه المشاريع الفكرية وقعت في فخ «الحداثة البدوية»، أي أنها استعملت مفردات حديثة لإعادة إنتاج بنى تقليدية.

المحور الثالث: العقل المراهق. يصف هذا الجزء العقل العربي المعاصر بأنه في مرحلة مراهقة معرفية، لا بمعنى القدح بل بمعنى التذبذب بين مرحلتين وزمنين، ما ينتج سلوكاً معرفياً متناقضاً: يهاجم المركزية الغربية بأدوات النقد الغربية ذاتها، ثم يعيد إنتاج مركزية عربية دينية بنفس المنهج الذي ينتقده إدوارد سعيد في «الاستشراق»، أي «الاستشراق معكوساً» – عقلنة سهلة تعيد إنتاج الذات مقابل الآخر دون عقلانية تستلزم المعرفة العلمية للإنسان كإنسان فقط.

ملاحظات finales وقيمة العمل

يلاحظ القارئ أن الشخصي يتشابك مع النظري بطريقة تجعل الفكرة مجسدة لا مجردة؛ فحديث المؤلف عن والده العسكري عام 1370هـ/1950م حيث نشأ يتيماً ورافق قوافل الإبل بين أسواق جيزان وعسير ليس مجرد ذكرى عاطفية بل مدخل أنثروبولوجي يشرح معنى البداوة الحقيقية قبل تحولها إلى رمز استهلاكي.

أقوى لحظة فكرية في الكتاب كما يراها المؤلف هي التمييز بين مفهومين يخلطهما كثيرون: «العقلانية / Rationality» – القدرة الحقيقية على التفكير المنطقي النقدي التي تستلزم الشك والمساءلة وقبول إعادة النظر، وهي ما يحتاجه المشروع التنويري العربي ولم يبلغه؛ و«العقلنة / Rationalization» – عملية تبرير سلوك غير عقلاني بمسوغات تبدو منطقية، تمارسها الأيديولوجيا الدينية والقومية باستمرار، وهذا distinction يفسر قرابة القرن من عثرات الفكر العربي.

كما يميز بين الأطروحة اللوغوسية «العقل» والأطروحة الميثوسية «الأسطورة»، ويظهر كيف أن الحداثة البدوية تلبس الميثوس ثياب اللوغوس دون أن تتحرر منه، كما ظهر في تفاعله مع أطروحة كمال عبداللطيف «أسئلة الحداثة في الفكر العربي» حيث حاول كشف ما وراء اللغة الأكاديمية المصقولة في الفصل الخاص بذلك.

بعد أن أنهى المؤلف قراءة الكتاب بعد صدوره عن دار متون، وبرد دماغه، سجل brevemente ملاحظة أن «الحواشي الداخلية» أثقل مما يجب، وأن «تكرار بعض المفاهيم» قد يربك القارئ المتابع لمقالاته، وهي ملاحظات لا تنقص من الكتاب لكنها تسجل عليه.

هذا الكتاب محاولة جريئة من المؤلف لإنجاز وثيقة فكرية تستحق النظر ليس لأنه يقدم إجابات جاهزة، بل لأنه يعيد صياغة الأسئلة بطريقة لم يفعلها أحد بهذا الوضوح والبساطة من قبل في السياق العربي؛ فإذا كان كوبرنيكوس قد حرر العقل العلمي من مركزية الأرض بين الكواكب، فطموح هذا الكتاب هو تحرير العقل العربي من مركزية الميثوس التي كبلته.