عاجل
٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الخميس، 11 يونيو 2026
الرياض +18°C

تأملات سلمان الفارسي في مستقبل الإسلام: قراءة في جذور الفكر السياسي الديني

لم يعرف عن سلمان الفارسي أنه كان من أصحاب النفاق، لكنه حين كان خادمًا للنار المقدسة في أصفهان ولم يجد فيها ما يروي ظمأه الروحي، رحل إلى بلاد الروم، حيث التقى براهب عمورية. سأله عن دين النبي العربي وعن خدام معبده، فرد الراهب قائلاً: إن ذلك النبي يجعل الأرض كلها مسجدًا، وليس لديه خدام، ويكلمه ربه وهو على حصير بيته وفي فراشه. عندها قال سلمان متعجبًا: هل يوجد دين بهذه الصفة؟ ورأى أن الراهب لا يدرك حقيقة ما يقول. وعندما قدر له السفر إلى الحجاز، مضى ليرى نبي العرب بنفسه. ولما لقيه اندهش من دين لا يعرف كهنة ولا بناء، لكن عقله الفارسي جعله يفسر الانضباط التلقائي للصحابة حول نبيهم تفسيرًا فارسيًا؛ فتصور أنه يشهد اللحظات الأولى لتكوين جماعة خاصة ستقوم بتحويل الدين إلى بناء صلب كأبنية كل الأديان الأخرى. ورأى أن غياب الكهنوت ليس إلا أمرًا مؤقتًا يفرضه الظرف الابتدائي، ولذلك حين اعتنق سلمان الإسلام بقيت الصورة الفارسية حاضرة في ذهنه، وبدأ يدون تأملاته حول هذا الدين من تلك الزاوية، وكأنه يجيب عن سؤال: كيف سيبدو الإسلام بعد رحيل النبي؟

التأمل الأول: ضرورة الجماعة المخصوصة

كان أول ما تأمله سلمان أن الفرس عندما يدينون بدين يعتقدون أن من واجبات النبي إعداد مجموعة خاصة تقود المجتمع بعد وفاته، لضمان نمو الدين بشكل سليم. وفهم سلمان من ذلك أن الإسلام – لكونه دينًا – سيسير على هذا النمط الفارسي، فأخذ يراقب تصرفات النبي. لكنه لاحظ أن أسلوب النبي يشبه أسلوب العرب، الذين ينطلقون من أفق خاص للزمن والمستقبل؛ فالعربي لا يميل إلى الهياكل المغلقة والمراتب الجامدة التي تحاول التحكم في الأمور قبل حدوثها، ويبني بيته ومسجده بالطين وجذوع النخل بعمران لا يسعى للخلود على عكس العمارة الفارسية، ويرى المستقبل فضاء مفتوحًا تبرز فيه أخلاق الرجال في أصعب الظروف، بما يتوافق مع طبيعة جزيرة العرب التي تخرج قادتها بشكل طبيعي كما تخرج الأرض الماء. ورغم ذلك أقنع سلمان نفسه أن ما رآه ليس سوى غطاء خارجي، أما الجوهر الصلب فسيظهر لا محالة لاحقًا، فاستمر في تسجيل أفكاره وفق المنظور الفارسي، وكتب تحت الموضوع الأول شرحًا استعار فيه مفهوم (القلب الكوني) من عقيدة الفرس التي ترى أن مجيء النور يعني القضاء على الظلمة، قائلاً: «لا يمكن لدين إلا أن يكون ثوريًا على كل ما سبقه، وهذه الثورة لا تستمر إلا بإعداد جماعة مخصوصة تحرس المنهج النبوي».

الموت المفاجئ والبحث عن المبرر

ظلت فكرة الجماعة الخاصة عالقة في عقل سلمان حتى حين أدرك أن النبي توفي دون أن يهيئ تلك الجماعة بإعداد لا يحتمل الشك، فكتب يقول: «إن النبي حين خطب فينا في الحجة قال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وهذا يعني أن الموت لم يأته فجأة، فلماذا إذن لم يعد جماعة تقود الدين من بعده لتمنع الخلاف الذي حدث بعد وفاته؟». عاد سلمان إلى الأسفار العرفانية الفارسية، ووجد النبي (ماني) يذكر في كتابه (شابورقان) أن الأنبياء فيما يخص تدبير مستقبل الدين لا يجتازون إلا ثلاث طرق: الأولى أن يتخلى النبي عن التحكم في مستقبل الرسالة ويتركها لطبيعة البشر، وهذا مستحيل في حق نبي يعرف أن الوحي نور ثابت بينما الزمن المادي ظلام متغير، ولا يصح ترك النور الثابت لعبث الأيام دون حماة يحرسونه؛ والثانية أن يترك الأمر شورى فيؤسس مجلسًا للتشاور يتولى أمر الدين بناء على اجتهادات الجيل الذي نشأ على يديه، وهذا الطريق باطل في نظر الفرس لأن الكثرة – حتى لو صفت عقولها – تبقى عرضة للخلاف، وصحبتها للنبي لا تعصمها من الفتن؛ والثالثة أن يختار النبي تلميذاً واحداً يودع فيه خلاصة حكمته، ويؤهله إعدادًا باطنيًا وظاهريًا ليكون خليفته، فتتجسد فيه الوراثة الروحية والزعامة الدنيوية وتكون له أمة تتبعه.

استبعاد الطرق الثلاثة

استبعد سلمان الطريق الأول دون كثير تفكير، أما الطريق الثاني فتذكر فيه الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم)، لكنه قال: لو أن النبي ربط قيادة الإسلام بالشورى لكان من البديهي أن يهيئ الصحابة فكريًا وروحيًا لهياكلها وتفاصيلها، ويعطيها صبغة دينية مقدسة، ولما دام هذا الإعداد لم يتم، فالنبي لم يسلك هذا الطريق. أما الطريق الثالث فقد أسر لب سلمان، وتذكر النبي (ماني) حين جعل ولاية عهده لتلميذه (مار سيسين)، وجعله محورًا تدور حوله هيكلية روحية تتكون من (اثني عشر) معلمًا يورثون السر الروحي لأتباعهم. لهذا عدّه سلمان الطريق الوحيد القادر على إنقاذ الإسلام، لكنه غفل عن أن النبي العربي سلك طريقًا رابعًا لا تستطيع الفلسفة الفارسية إدراكه، طريق يرى مستقبل الدين في الفطرة والسلوك المتدرج، لا في الجماعات والهياكل، جاعلًا من السلوك العربي – في أجمل صوره المثالية – دينًا بحد ذاته يجتمعون عليه وينتصرون. ولهذا رفض النبي كتابة الكتاب وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، إنه إدراك عربي للضمانة التي تحفظ مسار القيم العربية العليا.

خلاصة: وعي العرب وفلسفة الفرس

تُروى حكاية أن أعرابيًا قال لسلمان: «يا سلمان، العرب لا تعرف دندنتك ولا دندنة بني ساسان».

للنشر و الاعلان