عاجل
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 12 يونيو 2026
الرياض +20°C

فعاليات بلا جودة؟ تساؤلات حول أولوية الأثر على الأرقام في العمل الثقافي

12/06/2026 01:01

في خضم الحراك الثقافي المتصاعد الذي تشهده الساحة حالياً، تتنافس المؤسسات والجمعيات والأندية المعنية بالشأن الثقافي في تقديم البرامج والمبادرات والفعاليات. وهو نشاط إيجابي يعكس الوعي المتزايد بدور الثقافة في التنمية وبناء الإنسان. إلا أن هذا الزخم يثير تساؤلاً جوهرياً: هل لا نزال نركّز على الأثر الحقيقي، أم أننا أصبحنا نلهث وراء الأرقام؟

الكم على حساب الجودة

لا يُنكر أحد أهمية الحضور والفاعلية، بيد أن المشكلة تنشأ حين يتحول عدد الأنشطة إلى غاية في ذاته. حينها تُقاس النجاحات بعدد البرامج المنفذة، لا بما أسهمت به من قيمة مضافة. وهكذا يصبح الكم مقياساً للتميّز، بينما تتراجع الجودة لتحتل مكاناً خلفياً.

ففي بعض الحالات، تُقام فعاليات متقاربة في موضوعاتها ومتشابهة في محتواها ومحدودة في تأثيرها، لكنها تسجل كإنجازات رقمية ترفع الرصيد السنوي للنشاط أو تدعم فرص التنافس على الجوائز والتقييمات. وبمرور الوقت، يتحول التركيز نحو عدد البرامج بدلاً من جدواها، فيصبح السؤال: كم فعالية نظّمنا؟ لا: ماذا أضفنا حقيقة؟

الأثر هو المعيار الحقيقي

الثقافة ليست عملية حصر أرقام، بل هي مشروع تأثير. فقد تترك فعالية واحدة خلاقة أثراً يمتد لسنوات، في حين تمر عشرات الأنشطة المتتالية دون أن تترك أثراً يُذكر في الذاكرة أو المعرفة أو التحول المجتمعي. القيمة لا تكمن في كثرة ما يُقام، بل في جودة ما يُقدَّم، وفي الرؤية الفكرية التي تقود العمل في الأندية والجمعيات والمؤسسات الثقافية والأدبية.

تحدّي التنسيق والتكامل

من المعوقات التي تواجه المشهد الثقافي أيضاً غياب التنسيق الكافي بين الأطراف المعنية. فكثيراً ما تتزامن الأمسيات والندوات والملتقيات في توقيت واحد، مما يؤدي إلى تشتت الجماهير وتوزع الجهود، فيخسر الجميع جزءاً من التأثير الذي كان يمكن بلوغه لو وُجد مستوى أعلى من التنسيق والتكامل.

دعوة إلى رؤية مشتركة

من هنا تبرز ضرورة إنشاء ملتقى دوري يجمع الأندية والجمعيات والمؤسسات الثقافية والمهتمين بالشأن الثقافي، ليس فقط بغرض التنظيم الإداري، بل لبناء رؤية موحدة تسهم في تنسيق المواعيد، وتبادل التجارب، ورفع مستوى البرامج، وتوجيه الطاقات نحو ما يحتاجه المجتمع فعلياً.

الثقافة لا تزدهر بكثرة الأنشطة وحدها، بل بحسن انتقائها. ولا تُقاس بقوائم طويلة من الفعاليات، بل بما تتركه من معرفة في العقول، وأثر في النفوس، وقيمة مضافة للمجتمع. وحين يصبح الأثر هو المعيار، سينحسر الاهتمام بالأرقام تلقائياً، وسنتبين أن فعالية واحدة متقنة قد تعادل عشرات الفعاليات التي أقيمت فقط بهدف إضافة رقم جديد إلى التقرير السنوي. الجهود الكبيرة قائمة ومقدرة، لكنها تحتاج إلى تنسيق وتفعيل لتكون متفردة وملهمة ومؤثرة.

للنشر و الاعلان