عاجل
٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ| الجمعة، 12 يونيو 2026
الرياض +20°C

إعادة النظر في المفهوم الإجرائي: من التجريد إلى التطبيق

12/06/2026 01:01

المفهوم الإجرائي مقابل المجرد

المفهوم الإجرائي هو مجموعة من الخطوات العملية المحددة التي تبدأ بمعطيات تُعالج وفق قواعد ومراحل محددة للوصول إلى نتيجة نهائية؛ كمثال على ذلك عملية القسمة المطوّلة، إذ لا نذكر إجراءاتها بشكل منفصل دون تسمية، بل نجمعها تحت لفظ واحد هو «القسمة المطوّلة». هذا المفهوم يختلف عن المفهوم المجرد الذي يصف الجواهر أو الحقائق أو الصفات العامة؛ فنقول عن سطحٍ بأربع قوائم يُوضع عليه طعام إنه «طاولة»، وهو اسم جامع للوصف والوظيفة، ونضيف qualifier مثل «طعام» لتمييزه عن طاولات أخرى ذات وظائف مختلفة. таким образом، المفاهيم المفهوميّة تُقيد مجموع الأوصاف والأفعال تحت مظلّة اسمية.

المناطق الضبابية بين التجريد والإجراء

هناك مناطق ضبابية حيث يجتمع التجريد والإجراء لمفهوم واحد عندما يُنظر إليه من جهة تعريفه بجوهره أو صفاته الظاهرة ومن جهة تعريفه بفعاليته (العمليات). هذه الفعالية مشروطة بالإنتاجية في التعريفات الأكاديمية المعاصرة، مما يسمح بعرضها في الأبحاث والأوراق والأطاريح. يمكن النظر إلى مفهوم أثار جدلاً كبيرًا لدى أقصى المتجريدين وهو «العلم» (وفقاً للمناهج العلمية المتأثرة بال tradizione اليونانية، خاصة الأرسطية)؛ إذ لا يمكن تعريفه بالحدّ لأن ماهيته لا تُدرك! قد يُعرّف بنقيضه «الجهل» أو بمرادفه «المعرفة». هناك مفارقة: تعريف العلم بالإجراء شاع، لكن مستخدمه لم يدرك ذلك إلا في زمن لاحق؛ فقد سبق العمل بتعريفه الإجرائي بينما كان لا يزال متردداً تجاه تعريفه التجريدي، إذ أُخذ العلم تعلماً‑تعليماً عملياً، فسبقت إجرائيّته تجريديته.

تطبيق الإجرائي في الدلالة والدراسات الإسلامية

النظر إلى المفاهيم من خلال الإجراء والتجريد معاً يمنحها قوة دافعة قد يشعر بها مستخدمها أو لا يشعر، لكنه يستفيد من ثمارها دون وعيه بهذه التحولات. ومن ذلك ظهور قوة إجرائية لمفاهيم أصلها أقرب للتجريد، والتي انتظمت لاحقًا لتصنيف وصفي للعلوم: عقائد، فقه، معاملات… وظل أثرها العملياً جارياً عبر القرون. ومثال آخر يظهر في علم الدلالة، حيث استخدم باحث يسعى لغرض معين عمليات دون أن يدرك أنه وقع على «كنز إجرائي»؛ يمكن تطوير هذه الآليات لتطوير علم الدلالة في مجال التفسير والحديث. هذا الباحث هو أ.د. إدريس نغش الجابري، الذي قدم بين يدي طرحه لدلالة «الشك»؛ سيّاقاً مفاهيمياً يوضّح من خلاله دلالة «الشك» في الكتاب والسنّة، دون أن يقتصر على جمع الدلالات ثم ترجيح استعمال معين؛ بل فرّز ثم ربط «الشك» بالذات لا بالموضوع وفق النصّ القرآنيّ؛ إذ وردت لفظة الشكّ 15 مرة في 15 آية، مفردة غير معرّفة أو مجموعة، في المجال العقديّ: التوحيد، الكتب والرسل والبيّنات، الآخرة؛ فالشكّ في هذه الحقائق مبعثه من ذات الشاك، والمطلوب منه أن يبحث عن البراهين لا استخدام طريقة الشكّ. وعندما انتقل إلى السنّة النبويّة، بيّن كثرة ورود اللفظ بين تصنيفي «الرواية والدراية»، واتساع دلالته (ويهمنا منها مجال «الدراية»)؛ إذ ارتبط الشكّ بـ: العقيدة، والعبادة (الفقه)، وتجنّب الإثم، وطلب الآخرة؛ فهو أكثر ارتباطاً بالعمل في الاستعمال النبويّ (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام)، أما في استعمال الصحابة رضي الله عنهم فزاد في الحدود، والشبهات، واللباس، وأكل لحم الحمر الوحشيّة. وجاء في السنّة لفظاً منكراً ومعرفاً، اسماً وفعلاً، جمعاً ومفرداً، ولم تكن دلالته سلبية تؤدي إلى الكفر كما في دلالته القرآنية، بل هو فعالية إنسانية حسب الأوضاع الإنسانية العملية.

الآفاق والتطوير المستقبلي

والطريف في الفرز الأوّلي للدلالات أن الجابري استعمل المفهومين الإجرائيين: العقائد والفقه (الأصول والفروع)، ومن ثمّ عرف الشك من حيث معارضته للمبادئ والعقائد بالدلالة السلبية، بينما المنهج الإنساني التفاعلي والتثبت مرتبط بالجانب العملي الفرعي. لو لم يسبق تعريفه للشك بتصنيفات مفاهيم مثل العقائد، الفقه…؛ كيف كان يستطيع فرز الدلالات؟ dadurch ظهرت إمكانية استعمال مفهوم في أصله تجريدي «التوحيد‑الفقه» كمعيار إجرائي تصنيفي لغيره من المفاهيم حسب المجال التداولي الإسلامي، وتخفيف الفجوة بين المعيارية والوصفيّة. ومن ثمّ ظهرت قيمة إجرائية هذه المفاهيم عندما تصبح هياكل ضخمة تنتظم وفقها آلاف المفاهيم والمعطيات، وقوانين على إثرها تُرتب المعطيات. ويمكن تطوير هذه الآليات للتأثيل والبحث والتverify؛ لإعادة النظر في كثير من الدلالات المفاهيمية.

للنشر و الاعلان