الزيارة الرسمية وتأسيس مجلس الشراكة الاستراتيجي
تتجاوز زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى الجمهورية الفرنسية الإطار السياسي التقليدي للزيارات الرسمية، لتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات السعودية الفرنسية قائمة على الاستثمار والمشروعات النوعية. وتتزامن هذه الزيارة مع مرحلة متقدمة من تنفيذ رؤية 2030 التي تسعى إلى تعظيم العائد من التحول الاقتصادي وتوسيع الشراكات الدولية وتحويل الفرص الاستثمارية إلى قيمة مضافة مستدامة للاقتصاد الوطني. كما coincide مع انعقاد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي – الفرنسي، الذي يهدف إلى ترجمة التفاهمات السياسية إلى برامج ومشروعات اقتصادية وصناعية قابلة للتنفيذ وتعزيز التعاون في الملفات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
الرؤية الاقتصادية وآفاق التعاون
يرى المتخصص في التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد الدولي الدكتور علي الحازمي أن توقيت الزيارة يعكس إدراكاً مشتركاً لدى الرياض وباريس بأهمية الانتقال من العلاقات الثنائية التقليدية إلى شراكة استراتيجية مؤسية. ويضيف أن انعقاد المجلس لأول مرة يمنح العلاقة آلية واضحة للمتابعة والتنفيذ بعيداً عن اللقاءات الموسمية، وهو ما تحتاجه المرحلة الحالية لضمان تحويل الاتفاقيات إلى نتائج على الأرض. ويوضح أن الجانب الاقتصادي يمثل المحرك الرئيسي لهذه المرحلة، فأجندة المجلس التي تشمل الطاقة والصناعة والتقنيات المتقدمة والطيران والبنية التحتية تتقاطع بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية 2030. ويشير إلى أن المملكة تبحث عن شركاء لديهم قدرات تقنية وتصنيعية عالية لتوطين الصناعة وجذب الاستثمارات النوعية، بينما ترى فرنسا في السوق السعودي بوابة للتوسع الاقتصادي في الخليج عبر قطاعات الدفاع والنقل والتكنولوجيا.
الآثار الاستراتيجية والمستقبل
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يؤكد الحازمي أن ملف توطين الصناعات الدفاعية وتعزيز سلاسل الإمداد يمثل أولوية وطنية، مبيناً أن تنويع مصادر الشراكة الصناعية والعسكرية يصب في إطار تعزيز الأمن الوطني والاقتصادي ويمنح المملكة مرونة أكبر في إدارة التحديات الإقليمية. كما أن الزيارة تتجاوز البعد البروتوكولي إلى استثمار في مستقبل العلاقات السعودية الفرنسية على مدى العقد القادم، وستكون نتائجها داعماً مهماً للنمو غير النفطي ومعززاً لتموضع المملكة كشريك اقتصادي وصناعي محوري في المنطقة والعالم.
من جانبه يرى الكاتب والمهتم بالشؤون السياسية والاقتصادية ثامر الشهراني أن أهمية الزيارة تكمن في قدرتها على نقل العلاقة السعودية الفرنسية من مستوى التعاون إلى مستوى الشراكة المنتجة، ويضيف أن ذلك سيتم عبر استثمارات ومشروعات نوعية في قطاعات المستقبل تشمل الطاقة والنقل والصحة والتقنية والبنية التحتية. ويقول إن هذه الشراكات تفتح المجال أمام نقل المعرفة وتوطين الصناعة وتعزيز حضور الشركات السعودية في الأسواق العالمية، ويؤكد الشهراني أن المملكة لا تدخل هذه الشراكات من موقع الباحث عن التمويل بل من موقع الاقتصاد الذي يمتلك رأس المال والفرص والمشروعات والرؤية الواضحة.
ويشير إلى أن هذا التحول يعكس أحد أبرز ملامح رؤية 2030: الانتقال من اقتصاد يعتمد على موارده إلى اقتصاد يستثمر موارده وموقعه وقدراته البشرية لبناء قطاعات جديدة ومصادر متنوعة للنمو. وعلى الصعيد الاستراتيجي، يبين الشهراني أن الشراكة مع فرنسا تحمل بعداً يتجاوز الأرقام، ويقول إن تنويع الشراكات الدولية يمنح الاقتصاد السعودي قدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات العالمية ويعزز موقع المملكة كحلقة وصل بين أسواق الشرق والغرب خصوصاً في مجالات الطاقة والتقنية وسلاسل الإمداد والاستثمار. ويختتم الشهراني بأن زيارة ولي العهد إلى باريس يمكن قراءتها باعتبارها محطة جديدة في بناء اقتصاد سعودي أكثر انفتاحاً وتأثيراً، ويخلص إلى أن المملكة لا تبحث عن شريك واحد بل تبني شبكة واسعة من الشراكات على قاعدة المصالح المتبادلة، وهذا هو جوهر القوة الاقتصادية الجديدة للمملكة حيث تتحول الاستثمارات والشراكات إلى أدوات لتعزيز النمو والنفوذ والاستقلالية في آن واحد.






