عاجل
١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 28 أغسطس 2026
الرياض +19°C

من الرياض إلى باريس: كيف تُبني السعودية صناعة ألعاب عابرة للحدود

28/08/2026 13:03

من الرياض إلى باريس: توسع البطولة دولياً

انتقلت بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 لأول مرة خارج المملكة بعد نسختين أقيمت في الرياض خلال 2024 و2025، لتُعقد نسختها الثالثة في باريس. جاء اختتام البطولة متزامناً مع زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، حيث حضر الحفل الختامي في 23 أغسطس 2026. شارك في المنافسات أكثر من ألفي لاعب يمثلون مئتي نادٍ من أكثر من مائة دولة، وتنافسوا في خمس وعشرين بطولة ضمن أربع وعشرين لعبة، وجاوزت الجوائز المالية 75 مليون دولار، وسُجل أكثر من مليوني زيارة.

بناء منظومة متكاملة للألعاب

عند إطلاق الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية عام 2022، حددت السعودية هدفاً يجعلها مركزاً عالمياً للقطاع بحلول 2030. وضعت الاستراتيجية مستهدفات اقتصادية واضحة: تحقيق مساهمة تتجاوز 50 مليار ريال، وتوفير أكثر من 39 ألف وظيفة، وإنتاج أكثر من 30 لعبة محلية تصل إلى قائمة أفضل 300 لعبة عالمياً، والدخول ضمن الثلاث دول الأولى عالمياً بعدد اللاعبين المحترفين. تُظهر هذه الأرقام تركيزاً على بناء اقتصاد مستدام لا يقتصر على الإنفاق الترفيهي.

تشمل الفرص الوظيفية مطورين، مبرمجين، مصممي شخصيات، مهندسي صوت، كتاب سيناريو، متخصصي ذكاء اصطناعي، محللي بيانات، مديري بطولات، مسوقين رقميين، خبراء أمن سيبراني ومتخصصي ملكية فكرية. ويستهدف إنشاء 250 شركة ألعاب بحلول 2030 توسيع قاعدة الإنتاج وليس فقط قاعدة اللاعبين.

تعتمد التجربة السعودية على بناء منظومة شاملة لا على حدث منفرد؛ فتشمل الاستراتيجية 86 مبادرة تقودها أكثر من عشرين جهة حكومية وخاصة، وتغطي ثمانية مجالات مترابطة في سلسلة القيمة. يبدأ المسار بشغف اللاعب، ثم اكتشاف الموهبة وتأهيلها، احتضان المطور وتمويل الشركات الناشئة، إنتاج اللعبة وتسويقها، وصولاً إلى صناعة ملكية فكرية تولد إيرادات داخل المملكة وخارجها.

استثمارات ساڤي ورؤية 2030

في قلب هذا التحول تقف مجموعة «ساڤي» للألعاب الإلكترونية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، كأحد أهم الأذرع الاستثمارية لبناء حضور سعودي مؤثر في الصناعة العالمية. تتجاوز استراتيجية «ساڤي» الاستثمار المالي المجرد إلى بناء محفظة تمنح السعودية المعرفة والخبرة والحضور في حلقات رئيسة من سلسلة القيمة العالمية.

أعلنت المجموعة استثمارات تصل إلى 142 مليار ريال موزعة على أربعة برامج: 50 مليار للاستحواذ على شركة رائدة في نشر الألعاب وتطويرها، 70 مليار للاستحواذ على حصص أقلية في شركات رئيسة، ملياري للاستثمار في شركات ناشئة ومبتكرة، و20 مليار للاستثمار في شركات راسخة في القطاع. هذه الاستثمارات تُنفذ عبر صندوق الاستثمارات العامة ولا تمثل بند إنفاق مباشراً من ميزانية الدولة.

لوضع حجم هذه الاستثمارات في سياق مالي أوسع، تبلغ النفقات المعتمدة في الميزانية العامة للدولة لعام 2026 نحو 1.313 تريليون ريال، مقابل إيرادات مقدرة بنحو 1.147 تريليون ريال، وعجز متوقع يبلغ 165 مليار ريال. وبالتالي يأتي الاستثمار في قطاع الألعاب ضمن منظومة أوسع لتنويع الاقتصاد، تتوزع أدواتها بين الإنفاق الحكومي والاستثمار السيادي وتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

من أبرز الصفقات الدولية لمجموعة «ساڤي» الاستحواذ على Scopely مقابل 4.9 مليار دولار، وامتلاك ESL FACEIT Group، ما يمنح المجموعة مواقع مؤثرة في تطوير الألعاب ونشرها وتنظيم الرياضات الإلكترونية عالمياً. تكمن الأهمية ليس فقط في قيمة الاستحواذ بل في طبيعة الأصل المستحوذ عليه؛ فالملكية الفكرية الرقمية يمكن أن تولد إيرادات لسنوات عبر الألعاب والاشتراكات والترخيص والإعلانات والبطولات والمحتوى والخدمات المرتبطة بها.

من استضافة البطولات إلى تصدير المنصات، يجسد كأس العالم للرياضات الإلكترونية التحول من الاستثمار الداخلي إلى تصدير المنصات السعودية عالمياً. بعد انطلاق البطولة من الرياض، أصبحت باريس في 2026 أول محطة دولية لها، مثبتة أن الطموح لم يعد مقتصراً على جذب العالم إلى السعودية، بل يمتد إلى أخذ المنتجات والمنصات السعودية إلى الأسواق والمدن العالمية.

حيث يوجد الانتباه، توجد القيمة الاقتصادية، ولا تتوقف القيمة عند حدود الاقتصاد؛ فالألعاب أصبحت إحدى أكثر أدوات الثقافة الحديثة قدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، ويمكن للعبة ناجحة أن تحمل التاريخ والمدينة واللغة والموسيقى والعمارة والهوية المحلية إلى ملايين اللاعبين حول العالم. così، تجتمع في المنتج الواحد التقنية والاقتصاد والثقافة والقوة الناعمة.

المعيار الحقيقي للنجاح بحلول 2030 لن يُقاس بعدد البطولات المستضافة أو حجم الجوائز أو أعداد المشاهدين، بل بعدد الاستوديوهات السعودية القادرة على المنافسة عالمياً، وحجم الملكية الفكرية السعودية، وعدد الشركات الناشئة التي تتحول إلى شركات عالمية، ونسبة الوظائف النوعية التي يشغلها السعوديون، وحجم المنتجات والخدمات الرقمية المصدرة إلى الخارج. السؤال الاقتصادي الأهم ليس كم تستثمر السعودية في الألعاب، بل كم قيمة اقتصادية ومعرفية وملكية فكرية ستولدها هذه الاستثمارات داخل السعودية.