عاجل
١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 28 أغسطس 2026
الرياض +15°C

وائل حلّاق يعيد قراءة الشريعة من منظور فوكو وماركسية جديدة

28/08/2026 05:01

الإطار النظري لوائل حلّاق

يستند وائل حلّاق إلى مجموعة من المؤطّرات التي يصرّح ببعضها ويخفي البعض الآخر؛ لبناء نموذج يهدف إلى دراسة المعطيات التي بين يديه، ومن بينها الشريعة، والاستشراق، والأخلاق، ونقد الحداثة، وطه عبد الرحمن ومواضيع أخرى. ومن المؤطّرات التي أعلن عنها بوضوح ويتضح أثرها في أعماله، الاعتماد على أدوات ومفاهيم ميشيل فوكو المتعلقة بالخطاب، والذات، والأخلاق، وعلاقة القوة بالمعرفة. كما تشير تحاليلاته إلى تبنّيه رؤية تميل إلى الماركسية (وليس بالضرورة ماركسية خالصة)؛ وقد عرف الحداثة بأنها الرأسمالية والبرجوازية، وأظهر استيعابه لنقد ما بعد الحداثة المنبع من جذور ماركسية ما زال له حضور معرفي كبير في الأكاديميا الغربية.

تطبيق الفوكوي على الشريعة

اعتمد حلّاق بشكل كبير على فوكو في التعامل مع المفاهيم المؤسسة للخطاب مثل الذات، والأخلاق، والقوة، والمعرفة. أخذ هذه القوالب المفاهيمية وآلياته ثم طبقها على المادة التي يدرسها وهي الشريعة، معتبراً أن استدعاءه للشريعة هو دعوة لإصلاح الحداثة على نحو أخلاقي، حيث يستدعي نموذجاً أخلاقياً كانت السلطات فيه منفصلة! ثم أعاد تعريف المصطلح «الشريعة» بتعريف يختلف تماماً عن التعريف السائد في المراجع العلمية والاجتماعية الإسلامية، من دون سند علمي يبرّر هذا التغيير. وعمل على إعادة تشكيل هذا المفهوم وفق إطاره النظري المسبق، وعجنه لتكوّن «بنية» whose function he judges as either morally reshaping society or structural death—a point he repeats repeatedly. في تفصيله يوضح أن الأخلاق بنية، والبنية مجموعة عناصر مرتبطة بعلاقات ثابتة؛ العناصر متغيرة والعلاقات ثوابت، مستنداً إلى أصولها المنطقية‑الرياضية. عند تطبيق الشكل التجريدي للبنية على الأخلاق وفق منظور فوكو يصبح: ذات مقابل ذات (أي العناصر أو المتغيرات)، والعلاقات بينها علاقات مساواة لا تفاضل، فالعناصر تمارس حريتها دون توجيه أو تسلط قسري، فيتكوّن الجانب البنائي للأخلاق لكنه يفتقر إلى الموجّه القصدي الذي يوجّهها وفق غاية «مبدأ العناية بالذات» وليس وفق إله أو قيم معروفة سابقاً؛ وأمثله لهذا المبدأ هو النموذج ما قبل السقراطيّ، وتتحقق هذه العناية بالذات عبر ما أسماه «تقنيات النفس». وبهذا تتكوّن الأخلاق من الذوات في بنية تعيد تشكيل المجتمعات من البنية التحتية التي مع tiden تتكون منها الفوقية الصانعة للقرارات والتي تمثل تلك البنية التحتية.

نقد ومآلات المقترح

أما تطبيق الشكل التجريدي للبنية الأخلاقية الفوكوية على الشريعة فيرى حلّاق أنه يتم بطريقتين: أولاهما إعادة تعريف الشريعة لتتناسب مع شكل البنية؛ وثانيتهما إسقاط شكل البنية الأخلاقية الفوكوية على الشريعة نفسها. في المجال الشرعي تصبح الذات في علاقتها بالذات نتاجاً للتربية والتوجيه والتعليم دون إكراه، والأوامر في الكتاب والسنّة—مع تغيير حلّاق لمفهوم السنّة تغييراً تاماً عن أصله في الفكر الإسلامي—تصبح مرغبات ومرهبات لا إلزامات؛ ويحثّ الناس على قيم قرآنية توجههم مثل العدالة الإلهية. هذه الذوات، بفضل علاقات المساواة وعدم التفاضل والإكراه، تشكّل مع الوقت بنية تحتية للعلاقات الاجتماعية وتتشّعر منها تشريعات تصدر من هذا المجتمع، ثم تشكّل رأس فَوْقِيّ تمثل سلطة المجتمع. وبهذا يتكوّن 90٪ من البنية الأخلاقية الفوكوية للشريعة. ويشير حلّاق إلى أن الشقّ الآخر المتعلق بأصل «العناية بالذات» يتجلّى عبر «تقنيات النفس»، وهي عندَه الأحكام الشرعية كالأعمال العبادية من صلاة وزكاة وصوم وحج؛ باختصار هذه هي «الشريعة» ببنيتها ومكمّلها «تقنيات الذات» عنده.

من هنا يمكن فهم عبارة «موت الشريعة بنيوياً»؛ إذ إن 90٪ من البنية الأخلاقية لن تتحقق في عصر الحداثة الذي يعيد تشكيل الذوات بالقهر الكاسح للفكر «الرأسمالي‑البُرجوازي» تحت شعار «الحداثة». وعندما يزعم حلّاق دفاعه عن الشريعة فإنه في الواقع يدفع «الشريعة» كما يفهمها المسلمون—أي يردّها—ويستبدل بها autre لتتناسب مع أطروحاته، متحكّماً في الموضوع المدروس. علاوة على ذلك يتخطّى أصل دلالة «الأخلاق» في الإسلام وتكوّنها الفطري في الإنسان وتجلّيها العملي عند العمل بالشريعة الإسلامية تحت أي بنية، ويؤكد أن الذوات لا تنتج الأخلاق ولا التشريعات، وأن القيم ليست نسبية؛ فالقيم والتشريعات الإسلامية ليست منتجاً بشرياً في أصلها.

وللقارئ حلّاق يطرح سؤالاً قبل أي نقاش: أي شريعة تقصد؟ وأي أخلاق تقصد؟ وأي تقنيات نفس تقصد في سياق «البنية الأخلاقية الفوكوية»؟ وأخيراً: هل نقد حلّاق لمعنى «الشريعة» في الاستشراق يمنحه الحقّ بإعادة تعريفها مخالفة لحقيقتها لدى أهلها؟ فيقع في ما عاب عليه أعلام المستشرقين.