عاجل
١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 28 أغسطس 2026
الرياض +15°C

خمسة كتب يوصي بها الأكاديمي مينا شحاتة للقراءة

28/08/2026 03:01

يقدم الأكاديمي والمترجم المصري مينا شحاتة نخلة، الذي ترجم أكثر من عشرين عملاً أدبياً وفكرياً ومسرحياً من الإيطالية، قائمة بخمسة كتب اطلع عليها مؤخراً ويوصي بقراءتها.

الروايات العربية

في رواية «السيرة قبل الأخيرة للبيوت» لمريم حسين، ترافق البطلة ميمي في تنقلها بين مساكن مختلفة، بحيث يصبح كل منزل محطة في تشكيل هويتها ويذكرها بمراحل طفولتها ومراهقتها ونضجها، خصوصاً علاقتها بأبيها. وبالتالي، تتحول البيوت المتعددة إلى رموز لمحطات تكوين الذات، وكل انتقال من منزل إلى آخر يعكس تحولاً في الزمن والشخصية، ويظهر البيت كرمز للعودة الدائمة إلى الذات، بينما تسعى الرواية في النهاية إلى الكشف عن بيت داخلي يحمله الإنسان معه أينما ذهب.

في «العزبة» ليوسف نبيل، يتجاوز المكان كونه مجرد مشهد للأحداث؛ فهو يجسد المجتمع بكل ما يحمل من فقر وظلم وفساد وتناقضات. من خلال المكان تتقاطع حكايات الشخصيات وتظهر أزماتهم النفسية والاجتماعية، حتى يصبح انهيار العزبة رمزاً لانهيار عالم كامل يعيش فيه المهمّشون، بينما يُقام على أنقاضه عالم جديد أكثر فخامةً وأقل إنسانيةً. ويؤدي عنوان العمل دوراً محورياً في تحديد المكان الذي تلتقي حوله الشخصيات والحكايات، ليصبح نقطة انطلاق يمكن من خلالها النظر إلى الأحداث دون التقيد بترتيب زمني ثابت، مما يمنح الاسم دلالة مزدوجة: يشير إلى الموقع الحقيقي للمأساة ويصبح رمزاً لعالم اجتماعي كامل ينهار تحت وطأة الفساد والظلم، وتبقى آثاره قائمة بعد انهياره.

العمل العالمي

في قصة «التحول» لفرانز كافكا، لا تمثل تحول غريغور سامسا إلى حشرة المأساة الأساسية، بل تُظهر كيف يُقاس قيمة الإنسان بقدرته على العمل والإنتاج. يكرس غريغور حياته للعمل وإعالة أسرته، فيحظى بالاحترام ما دام قادراً على الكسب؛ لكن عندما يتحول ويعجز عن العمل، تتغير نظرة أسرته إليه من ابن وأخ إلى عبء وكائن غير مرغوب فيه، ما يكشف عن هشاشة العلاقات القائمة على المنفعة بدلاً من الحب. تصبح الغرفة رمزاً لعزلته واغترابه؛ كلما ابتعد عن العالم البشري، ضاقت مساحته أكثر، حتى تتحول غرفته من مكان للراحة إلى ما يشبه السجن. وعلى الرغم من جسده الحشري، يحتفظ غريغور بمشاعره الإنسانية وحبه لأسرته، بينما يتخلى أفراد أسرته تدريجياً عن إنسانيتهم تجاهه؛ لذلك تكمن المأساة الحقيقية في الاغتراب وفقدان الحب والأمل، وليس في التحول الجسدي ذاته.

في رواية «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ، يقدم الكاتب الوظيفة الحكومية كدين أو معبد حديث، حيث يصبح عثمان بيومي نموذجاً للإنسان الذي يحول العمل من وسيلة للعيش إلى غاية للحياة نفسها. يرى عثمان أن الوظيفة طريق مقدس للارتقاء، فيكرس لها عمره وصحته وعلاقاته، ويقيس نجاحه بدرجات الترقّي حتى يصل إلى حلمه الأكبر: منصب المدير العام. لكن هذا الإيمان المفرط بالوظيفة يجعله يضحي بالحب والزواج والأسرة والصداقة، ويحول علاقاته بالآخرين إلى وسائل تساعده على الترقّي. وتأتي المفارقة عندما يصل إلى حلمه ويُرّقى إلى مدير عام بينما هو على فراش الموت، ليكتشف عبثية رحلته: حقق الهدف الذي كرّس له حياته في اللحظة التي لم يعد فيها قادراً على الاستمتاع به. كذلك، تكشف الرواية عن خطورة تحول العمل من وسيلة لتحقيق حياة أفضل إلى بديل عن الحياة نفسها، إذ قد ينجح الإنسان في مسيرته الوظيفية لكنه يخسر الحب والإنسانية والعلاقات والمعنى الحقيقي لوجوده.

العمل الإيطالي

في رواية «لاتشوتشارا» لألبرتو مورافيا، ليست القصة مجرد حكاية أم وابنتها أثناء الحرب، بل هي تأمل في الحرب وآثارها على الفرد والمجتمع الإيطالي. تدور الأحداث عام 1943، عندما تهرب تشيزيرا من روما مع ابنتها روزيتا هرباً من القصف والجوء، وتقضيان تسعة أشهر وسط النازحين والفلاحين. خلال هذه الفترة تتعرفان إلى ميكيل، الشاب المناهض للفاشية الذي يمثل الجانب المثالي والإنساني في الرواية، قبل أن يُقتل على يد الألمان. أما الحدث الأكثر تأثيراً فهو اغتصاب روزيتا على يد مجموعة من جنود الحلفاء أثناء عودتهما بعد الحرب؛ وي thấy مورافيا في هذا الاغتصاب رمزاً لـ «اغتصاب إيطاليا» بأكملها، إذ كما تعرضت الفتاة للعنف وفقدت براءتها، تعرضت إيطاليا للحرب والفاشية والاحتلال، وخرجت منها جريحة الحرب، تعاني إلى الأبد. وتستند الرواية إلى تجربة مورافيا الشخصية في تشوتشاريا خلال الحرب، حيث عاش هناك مع زوجته إلسا مورانتي، الكاتبة الإيطالية الشهيرة، فترة قريبة من تجربة بطلتي الرواية، مما منح العمل طابعاً واقعياً شديداً. وفي النهاية، رغم ما endured من خوف وفقدان وعنف، تعود الأم وابتها إلى موطنهما معاً، ويمكن اعتبارهما كرمز لإيطاليا التي نجت من الحرب وحاولت لملم جراحها وإعادة مداواة نفسها من آثار العدوان.