عاجل
١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الجمعة، 28 أغسطس 2026
الرياض +15°C

الناي العظمي: أقدم آلة موسيقية عرفها الإنسان

28/08/2026 03:01

الناي العظمي في كهف ديفييه بابه

قبل أن يتعلم الإنسان الزراعة والكتابة وبناء المدن بآلاف السنين، كان يبحث عن طرق لإنتاج الإيقاع والنغم. ربما بدأ بالتصفيق وضرب الحجارة والعصي واستخدام الصوت البشري، لكن هذه الممارسات لم تترك أثرًا ماديًا يمكن تأريخه. لذلك تعتبر النايات المصنوعة من العظام أقدم الآلات الموسيقية التي وصلت إلينا. أقدم مرشح معروف هو قطعة عظمية وُجدت عام 1995 داخل كهف ديفييه بابه بسلوفينيا. صُنعت من عظم فخذ دب الكهوف، ويبلغ طولها نحو 11 سنتيمترًا، وتحتوي على ثقبين كاملين وآثار ثقبين آخرين. اكتُشفت في طبقة أثرية مرتبطة بأدوات إنسان النياندرتال، لذا يرى المتحف الوطني السلوفيني أنها أقدم آلة موسيقية معروفة، وأن ترتيب الثقوب يسمح بإصدار نغمات مختلفة عند النفخ فيها.

مع ذلك، لا يحظى هذا التفسير بإجماع كامل؛ يرى بعض الباحثين أن الثقوب ربما نتجت عن أنياب حيوان مفترس وليس عن تصنيع مقصود. وبالتالي تبقى قطعة ديفييه بابه أقدم آلة موسيقية محتملة، دون أن تكون الدليل الأكثر قبولًا لدى علماء الآثار.

النايات المؤكدة في جبال الألب السوابية

أما أقدم الآلات الموسيقية المؤكدة فقد عُثر عليها داخل كهوف جبال الألب السوابية جنوب غربي ألمانيا. المنطقة تشمل كهف غايسن كلوسترله وكهف هوله فيلس، حيث كشفت الحفريات عن ثمانية نايات على الأقل، صُنعت من عظام الطيور وعاج الماموث، وتعود إلى ما بين 35 و43 ألف عام. تشير اليونسكو، التي أدرجت هذه الكهوف ضمن قائمة التراث العالمي، إلى أن الآلات تنتمي إلى المرحلة الأورينياسية من العصر الحجري القديم الأعلى، وترتبط بوجود الإنسان العاقل في أوروبا. وتُعد هذه النايات أقدم دليل واضح على ثقافة موسيقية عرفها الإنسان الحديث.

من أبرز المكتشفات ناي وُجد في كهف هوله فيلس، صُنع من عظم جناح نسر، وزُوّد بخمسة ثقوب للأصابع وفتحة مخصصة للنفخ. لم تكن صناعته مجرد ثقب عظم أجوف، بل تطلبت اختيار العظم المناسب وتشكيله وتحديد مواقع الثقوب بما يسمح بإنتاج درجات صوتية متعددة. وكان صنع النايات من عاج الماموث أكثر تعقيدًا؛ إذ كان الصانع يشق قطعة العاج إلى قسمين، ثم يحفر قناة داخلية في كل قسم قبل جمعهما مجددًا لتكوين أنبوب صالح للعزف. هذه التقنية تكشف عن معرفة دقيقة بالمواد والصوت، وقدرة على تنفيذ عمل يحتاج إلى وقت وتخطيط وأدوات مناسبة.

لا يعرف الباحثون طبيعة الألحان التي عُزفت بهذه الآلات أو المناسبات التي استُخدمت فيها. ربما رافقت الطقوس والتجمعات أو استُخدمت للترفيه وتقوية الروابط بين أفراد الجماعة. وما يمكن تأكيده أن الموسيقى لم تكن نشاطًا ظهر مع الحضارات والمدن، بل كانت جزءًا من حياة الإنسان منذ عصور الصيد وجمع الغذاء.

دور الموسيقى في حياة الإنسان القديم

أما الطبول والخشخيشات والآلات الخشبية فمن المحتمل أنها سبقت الناي العظمي أو ظهرت في الفترة نفسها، إلا أن المواد التي صُنعت منها تحللت مع مرور الزمن. لذلك لا يعني غيابها من السجل الأثري أن الإنسان لم يعرفها، بل إن العظام والعاج كانا أكثر قدرة على البقاء لعشرات الآلاف من السنين. وتضع هذه المكتشفات الموسيقى في مرحلة مبكرة جدًا من تاريخ البشرية، قبل ظهور الكتابة بأكثر من 30 ألف عام. فالإنسان الذي واجه قسوة العصر الجليدي لم يكتف بصناعة أدوات الصيد والحماية، بل خصص جزءًا من مهارته ووقته لصناعة آلة لا تؤدي وظيفة معيشية مباشرة، وإنما تمنحه النغم وتفتح له مساحة للتعبير والاجتماع.