ظاهرة توسع الألقاب
اليوم نرى انتشاراً واضحاً لاستخدام الألقاب والتخصصات المتنوعة، بحيث يصبح بعض المعلقين يتنقلون بين الحديث عن الأدب والفن، ومن ثم عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن إدارة المؤسسات الإعلامية إلى الشأن السياسي والاقتصادي، وصولاً إلى موضوعات الرياضة وغيرها، وهم يتحدثون وكأنهم متخصصون في كل تلك المجالات.
الفرق بين الاهتمام والتخصص الحقيقي
امتلاك اهتمامات متعددة لا يعد مشكلةً بحد ذاته؛ فالإنسان قد يكون مطّلعاً على العديد من الموضوعات وقادراً على المشاركة في نقاشات متنوعة. والمثقّف بطبيعته يتطلع إلى ميادين معرفية مختلفة. ومع ذلك، هناك فرق جوهري بين مجرد الاطلاع أو القراءة وبين التخصص الذي يستند إلى منهجية محددة، تراكم علمي ومهني، وخبرة تُكتسب عبر الممارسة والإنجاز، وليس من خلال كثرة الظهور فقط. فمثلاً، قراءة الكتب في الاقتصاد لا تحول القارئ إلى خبير اقتصادي، ومتابعة الأخبار السياسية لا تمنح صفة محلل سياسي، واستخدام برامج الذكاء الاصطناعي لا يجعل الشخص متخصصاً في هذا المجال.
عندما يزداد التضخم في الألقاب
يزداد اللغط عندما يرافق هذا الظهور تضخماً في الألقاب؛ فترى دكتوراه فخرية هنا، ودكتوراه مهنية هناك، إلى جانب صلات استشارية وخبرات متنوعة، حتى يصبح اللقب في بعض الأحيان أطول من المسار الذي يفترض أن يبرره. لا يهدف ذلك إلى التقليل من قيمة أي مسار تعليمي أو مهني، بل إلى التأكيد على ضرورة الدقة في تعريف الأشخاص للجمهور.
دور الإعلام ومنصات التواصل ونحو ثقافة احترام التخصص
الإعلام يوفّر مجالاً للظهور لكنه لا يمنح تخصصاً automatisch، وكذلك المنصات الرقمية قد تصنع شهرةً واسعةً لكنها لا تعطي صاحبها صفة «الخبير» من حيث المبدأ. لذلك نحن بحاجة إلى تعزيز ثقافة احترام التخصص؛ إذ ليس مطلوباً من الإنسان أن يحيط بكل المعارف، ولا يُنتقص من مكانته عندما يقول عند سؤاله خارج نطاق اختصاصه: «هذا ليس تخصصي». ربما تكون هذه العبارة أكثر احتراماً للعلم والمعرفة من قائمة طويلة من الألقاب.






