عاجل
١١ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 25 أغسطس 2026
الرياض +20°C

في السينما لا توجد معادلة للعبقرية: رحلة مخرج سعودي بين المعرفة والحدس الإبداعي

كلما ظننت أنني اقتربت من معادلة الفيلم العظيم، اكتشفت أنني أضيف متغيراً جديداً إليها. هذا هو خلاصة ما عايشته منذ أن تحول مساري المهني نحو صناعة الأفلام. سؤال واحد ظل يلازمني: ما الذي يجعل الفيلم عظيماً حقاً؟

البحث عن الوصفة المفقودة

في البداية، خلت أن الإجابة تكمن في التقنية: كاميرات متطورة، عدسات فائقة، وصورة أكثر إبهاراً. لكن مع الوقت، أدركت أن التقنية وحدها لا تكفي. انتقلت بعدها إلى المونتاج، ظناً مني أن امتلاك أفضل الأدوات وإتقانها هو ما يصنع الفارق. لكن سرعان ما أقنعني من هم أكثر خبرة بأن القصة هي الأساس، وكل ما عداها مجرد تحسينات.

وهكذا بدأت القراءة. قرأت “أنقذ القطة”، و”القصة”، و”تشريح القصة”، و”البطل بألف وجه”، و”كتاب السيناريو المقدس”. كانت القائمة نفسها تقريباً التي يوصي بها الجميع. لكن سؤالاً ظل يرافقني: إذا كان معظم صناع الأفلام الجادين يقرؤون الكتب نفسها، فلماذا لا تتكرر الروائع؟ وهكذا اتسعت دائرة البحث لتشمل الأدب: دوستويفسكي، كامو، الفلسفة، علم النفس، والعلوم الاجتماعية. لم أكن أبحث عن قصة أفضل فحسب، بل كنت أحاول فهم الإنسان الذي يكتبها.

لماذا لا تنجح الوصفات؟

أتذكر أنني حضرت في بداية رحلتي ورشة عن كتابة السيناريو. كان المدرب يشرح بثقة احتياجات الشخصية، وقوسها الدرامي، ونقاط التحول، والإيقاع. خرجت يومها وأشعر أنني أمسكت بطرف الخيط. لكن مع مرور السنوات، عاد السؤال نفسه: إذا كانت هذه المبادئ معروفة بهذا الوضوح، فلماذا لا ينتهي كل هذا التعليم بعمل عظيم؟

عندها بدأت أميز بين أمرين مختلفين تماماً: أن نفهم لماذا نجح عمل عظيم، وأن نعرف كيف نصنع العمل العظيم التالي. كل روائع السينما شُرحت… لكن لم يُعاد صنع أيٍّ منها. نحن بارعون في تفسير النجاح بعد وقوعه، وأقل براعة بكثير في التنبؤ به قبل حدوثه.

لا يعني هذا أن القصة ليست مهمة، أو التقنية، أو المونتاج، أو فهم الجمهور، أو التسويق، أو حتى الذكاء الاصطناعي. بل على العكس، كلها أدوات حقيقية. لكنها لا تصنع النجاح، وإنما تحسن احتمالاته. وهذا لا يقتصر على السينما؛ يكفي النظر إلى عالم التقنية. شركات مثل نوكيا وبلاك بيري ومايكروسوفت كانت تملك البيانات نفسها عن السوق، وتراقب احتياجات المستخدمين مثل الجميع، لكن ذلك لم يكن كافياً لصناعة آيفون. لم تكن المشكلة نقصاً في المعلومات، بل في القدرة على رؤية ما لم يكن واضحاً بعد. المعلومات متاحة للجميع… لكن الرؤية ليست كذلك.

لا أحد يعرف

ومع الوقت، بدأت تتضح لي مفارقة أخرى. كل المخرجين الذين أحب أعمالهم مختلفون: في أساليبهم، وشخصياتهم، وأفكارهم، وحتى القواعد التي يؤمنون بها. لكنهم يشتركون جميعاً في شيء يصعب تعريفه. يسميه الفنانون “الذوق”، وفي علم النفس يقترب من مفهوم “الحدس”، وفي فلسفة المعرفة يظهر تحت اسم “المعرفة الضمنية”، وفي التصميم يسمى “الحكم”. أسماء مختلفة، لكنها تحاول جميعاً وصف القدرة نفسها: القدرة على اتخاذ القرار الصحيح حين لا توجد قاعدة تخبرك بما يجب أن تفعله. المعرفة يمكن تعلمها… أما الحكم فلا يُلقّن. وهذا ما أسميه الحدس الإبداعي.

بينما كنت أقرأ في هذا الموضوع، لفت انتباهي ما كتبه الاقتصادي الأمريكي ريتشارد كيفز بعد سنوات من دراسة الصناعات الإبداعية. اختصر إحدى أهم خصائصها بعبارتين فقط: “لا أحد يعرف” (Nobody Knows). لم يكن يقصد أن النجاح عشوائي، بل أن أحداً لا يستطيع التنبؤ به بشكل موثوق. يمكننا تحسين الاحتمالات وتقليل الأخطاء، لكننا لا نستطيع إزالة عدم اليقين. وعندما قرأت ذلك، شعرت أنني وجدت التعبير الأدق عن فكرة كنت ألاحقها لسنوات.

لذلك، لم تعد الكتب بالنسبة لي بحثاً عن وصفة، بل أصبحت وسيلة لصقل حدسي الإبداعي. كل كتاب، وكل فيلم، وكل تجربة، وكل خطأ، لم يكن يقرّبني من معادلة النجاح، بل كان يحسن قدرتي على اتخاذ القرار عندما لا توجد معادلة.

الحدس هو البوصلة

ومن بين ما قرأت أيضاً، توقفت عند مقولتين لأحد أعظم مخرجي السينما، أكيرا كوروساوا. الأولى تقول: “الإبداع هو الذاكرة” (Creation is memory)، وكأن الإبداع ليس شيئاً يولد من فراغ، بل حصيلة كل ما قرأناه وعشناه وشاهدناه. أما الثانية، فهي التي بقيت عالقة في ذهني. فبعد مسيرة غيّرت تاريخ السينما، قال: “أظن أنني في المرة القادمة سأصنع شيئاً جيداً” (I keep thinking next time I’ll make something good). إذا كان أحد أعظم المخرجين في التاريخ قد أمضى حياته وهو يشعر أن أفضل أعماله ربما يكون العمل القادم، فربما لم يكن يبحث عن معادلة، بل كان يصقل حدسه الإبداعي في كل مرة.

اليوم، لم أعد أؤمن بالوصفات السحرية. وما زلت أؤمن بأهمية دراسة القصة، وعلم النفس، وسلوك الجمهور، والتقنية، والتسويق، وكل ما يمكن تعلمه. لكنني أصبحت أؤمن أيضاً أن هناك لحظة لا يستطيع فيها أي كتاب، أو أي دراسة، أو أي خوارزمية أن تخبرك بما يجب أن تفعله. في تلك اللحظة، لن يبقى أمامك إلا حدسك الإبداعي. أن تصنع العمل الذي تتمنى لو كنت أنت أول من شاهده. أن تستمع لكل الآراء، ثم تمتلك الشجاعة لتتبع ما تؤمن به عندما يحين وقت القرار.

وربما… لو كانت هناك معادلة، لما بقي الإبداع إبداعاً.

مخرج ومنتج سعودي، ومستشار في الاتصال المؤسسي والثقافي