الأمانة في الموروث العربي والإسلامي
كان العرب قبل الإسلام معروفين بتحليهم بمكارم الأخلاق، وكانوا يتنافسون على اكتسابها، ويربون أبناءهم عليها، وصارت الأمانة من أبرز هذه الفضائل، إذ لم تكن عندهم مجرد خيارٍ ثانويٍّ بل كانت عهدًا أساسيًّا يربط المروءة والشرف والأصالة والسمعة بالفرد وقبيلته والأجيال اللاحقة؛ فمن فقد أمانته فقد مروءته ومكانته، وصار مرفوضًا في محيطه العربي الذي يفخر بالنسب autant ما يفخر بالمكانة التي يكتسبها عبر الأمانة.
مع بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عززت التعاليم الإسلامية الأخلاق العربية وركزت على ضرورة الأمانة؛ فقال تعالى في سورة الأنفال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}, ومدح الله الصالحين في سورة المعارج بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}; فالأمانة تبقى شأنًا كبيرًا في الإسلام كما كانت قبله، وهي لا تقتصر على الجوانب المادية بل تشمل جميع المعاملات الإنسانية، وأهمها الأمانة في المجالس.
تتميز المجالس بحرمة وخصوصية؛ فهي تُبنى على الاحترام المتبادل والثقة والصدق، وليس على الخيانة والسوء والغيبة ونقل الأحاديث ونشر الحقد؛ وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة».
خيانة الأمانة في المجالس وسبل تصديها
لكن المؤسف أن ظاهرة خيانة الأمانة في المجالس قد انتشرت مؤخرًا عبر وسائل متعددة؛ فبعد ظهور الأجهزة الحديثة لم تعد الخيانة تقتصر على سوء الفهم أو تخمين النوايا أو نقل الحديث، بل اتجهت إلى التصوير والتسجيل السريين دون إذن، ويتفاقم الوضع عندما يرتكب المخالف من لا يردعه دين ولا خلق، فيقتطع من الكلام ما يشتهي إظهاره ويخفي ما لا يتفق مع هواه.
نتيجة لذلك، يصبح نشر جزء من الحديث دون عرضه كاملًا وسياقه الكامل انتهاكًا لمكارم المروءة، وطعنة في ظهر الثقة، وتزييفًا للحقائق، ويصنّف ضمن الكذب ونشر الفتنة والضغينة، مما يحول المجالس من بيئة آمنة ومحترمة إلى مستنقع آسن مليء بالنوايا السيئة حيث يشك كل طرف في الآخر.
كما عبر الحسن البصري رحمه الله عن هذا المعنى قائلاً: «إنما تجالسوننا بالأمانة، كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم، إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا».
دور الحكومة في حماية المجالس من التجاوزات
لأن بعض الأفراد لا يحدهم دين ولا خلق، اتخذت الحكومة الرشيدة – حفظها الله – خطوات لحماية المجتمع من هذه السلوكيات الوافدة من خلال سنّ أنظمة صارمة تحفظ الحقوق والخصوصيات، وأقرت – بمشيئة الله – قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية الذي يفرض عقوبات رادعة قد تصل إلى السجن والغرامة.
وكما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»؛ لذا وجب علينا أن نأخذ بيد الجاهل، ونردع المسيء، وتمسكنا بتعاليمنا الشرعية وأخلاقنا العربية الأصيلة نحافظ على مجالسنا وهيبتها واحترامنا، ولا نسمح بأن تكون مجالسنا لمن لا يستحقها؛ سائلين الله الخير للجميع.






