على مر العصور، احتلت مهنة الطب مكانة مرموقة بين المهن الحية، بوصفها كياناً يجمع بين العلم والحكمة، والعمق المعرفي بتفاصيل الجسد البشري والقدرة على التواصل مع مشاعر المرضى وآلامهم. ولا يمكن إغفال التاريخ المليء بالقداسة، حيث ارتبطت قصص بعض الأنبياء بمعجزات الشفاء، مما أضفى على الطب غلالة مضاعفة من التقدير والاحترام، وزاد من ندرتها حين كان عدد المتعلمين عموماً قليلاً.
من الندرة إلى الوفرة
مع انتشار التعليم حول العالم، ظل الخريجون الجامعيون أقلية في مختلف الاختصاصات المعرفية، فكان كل منهم يختار ما يميل إليه وما يوافق موهبته، سواء كان علمياً أم أدبياً، بسعادة غامرة لثقته بالمكانة التي تنتظره بعد التخرج، بغض النظر عن طبيعة المهنة أو مسمّاها. لكن تقلبات شؤون الاقتصاد والمجتمعات وثورات الاتصالات أدت إلى أن يصبح معظم خريجي المدارس الثانوية في العالم العربي طامحين إلى التخصصات الصحية، وعلى رأسها الطب البشري، مما ضيق مساحات الندرة تدريجياً نحو الوفرة. وبدأنا نسمع هنا وهناك عن أزمة بطالة بين الأجيال الجديدة في مهنة كان يُظن أن البطالة فيها ضرب من الخيال المستحيل.
تدخل رأس المال الخاص وتحول مفهوم المريض
ثم جاء رأس المال الخاص ليتحكم بسوق العرض والطلب الوظيفي، في ظل متغيرات عالمية متسارعة. وتحول مسمى «المريض» إلى «مستفيد من الخدمة»، وأصبح هذا المستفيد مصدراً لرفع الإيرادات المالية للمنشأة الصحية التي تقدم له الخدمات، خاصة مع دخول شركات التأمين الصحي على الخط، حتى في مستشفيات القطاع العام التابعة للتجمعات الصحية كجزء من خطط التحول. فازدادت متطلبات الوظيفة وتصاعدت ضغوطها على الأطباء، حتى باتوا يصلون ليلهم بنهارهم حاملين على كاهلهم هموم العمل. وغدا الواحد منهم «يداوي الناس وهو عليل» من فرط الإجهاد.
الواقع الجديد للطبيب
لم يعد الطب البشري تلك المهنة التي ينهي فيها الطبيب رحلة العناء يوم تخرجه من الجامعة. فالمرضى، لا سيما في المدن الكبرى، ينهمرون انهماراً طوال ساعات العمل الرسمي دون توفر الوقت الكافي لتقديم الخدمة العلاجية التي ترضي المستفيدين. فيصبّون جام غضبهم على المعالج الذي يتلقى قلة احترام لم يكن يتوقعها حين اختار هذه المهنة. مهنة الطب أجلّ شأناً من أن تتحول إلى مجرد «تقديم خدمات» بهدف نيل رضا المستفيد والانصياع لتقلباته المزاجية، بغض النظر عن موضوعية شكاواه وصدقها. ولا بد من النظر بعين الاعتبار إلى أهمية تحقيق الاتزان بين القيم العليا لهذه المهنة ومهامها الوظيفية المستحدثة التي تطمس قدرة الطبيب على الإبداع وتحد من قدرته على متابعة آخر مستجدات اختصاصه، فتحرم المرضى الحقيقيين من جهده الذي يحتاجونه.






