عاجل
٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الإثنين، 7 سبتمبر 2026
الرياض +15°C

الحطام الفضائي يتحول إلى حزام كويكبات اصطناعي يهدد مستقبل الملاحة

07/09/2026 05:02

بخطى متسارعة، يخلق البشر حول الأرض ما يشبه حزام كويكبات من صنع أيديهم، مكون من آلاف الأقمار النشطة والمعطلة، وأجزاء الصواريخ، وملايين الشظايا الصغيرة. هذا التراكم يأتي في وقت يشهد فيه سباق الإنترنت الفضائي التجاري توسعاً هائلاً، قد يضيف آلاف الأقمار الجديدة خلال السنوات القليلة المقبلة.

أرقام قياسية في الإطلاق

لم يعد إطلاق قمر اصطناعي حدثاً استثنائياً كما كان قبل عقود. ففي عام 2025، تم تسجيل أكثر من 300 عملية إطلاق، أضافت أكثر من 4 آلاف حمولة إلى البيئة الفضائية، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن وكالة الفضاء الأوروبية (ESA). وتشير الوكالة إلى أن الانتشار المنهجي لعدة كوكبات ضخمة جديدة في المدار الأرضي المنخفض قد بدأ بالفعل.

سباق العمالقة: ستارلينك وأمازون

في قلب هذا السباق تبرز كوكبة ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس التي أسسها إيلون ماسك. ففي يناير 2026، منحت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية الشركة ترخيصاً بنشر وتشغيل 7500 قمر إضافي من الجيل الثاني، ليرتفع بذلك إجمالي الأقمار المصرح بها لستارلينك إلى 15 ألف قمر. في الوقت نفسه، أرجأت اللجنة البت في طلب الشركة الخاص بنحو 15 ألف قمر آخر.

على الجانب الآخر، تسعى أمازون إلى نشر كوكبتها المعروفة باسم Amazon Leo، والتي كانت تعرف سابقاً بـ Project Kuiper، والمخطط أن تضم أكثر من 3 آلاف قمر. وقد تجاوز عدد أقمارها في المدار 200 قمر بحلول مطلع 2026، مع خطط لتسريع عمليات الإطلاق عبر عشرات الرحلات المتعاقد عليها.

وهكذا، لم يعد السؤال مقتصراً على ما خلفه عصر الفضاء وراءه، بل يشمل أيضاً ما يستعد البشر لإرساله إلى السماء في المستقبل القريب.

إحصاءات مقلقة للحطام الفضائي

وفقاً لأحدث إحصاءات مكتب الحطام الفضائي في وكالة الفضاء الأوروبية، أطلقت البشرية منذ عام 1957 نحو 27,490 قمراً اصطناعياً، لا يزال حوالي 18,840 منها في الفضاء، بينما يعمل نحو 16 ألف قمر فقط. وتتعقب شبكات المراقبة حالياً نحو 46,650 جسماً صناعياً حول الأرض.

لكن ما يمكن رؤيته ليس سوى جزء بسيط من المشكلة. فتقديرات الوكالة تشير إلى وجود أكثر من 1.2 مليون قطعة حطام يتجاوز حجمها سنتيمتراً واحداً تدور حول الأرض، من بينها أكثر من 50 ألف جسم يزيد حجمه على 10 سنتيمترات. وهذه القطع ليست مجرد ذرات غبار عائمة؛ فقطعة صغيرة تتحرك بسرعات مدارية هائلة يمكن أن تلحق أضراراً كارثية بأي مركبة فضائية.

أين يقع الحزام؟

التشبيه بحزام الكويكبات ليس وصفاً فلكياً حرفياً، فلا يوجد حزام واحد منتظم مثل الذي يقع بين المريخ والمشتري. فالأقمار والحطام موزعة على ارتفاعات ومدارات مختلفة، لكن بعض الطبقات المحيطة بالأرض أصبحت أكثر ازدحاماً من غيرها. وتشير وكالة الفضاء الأوروبية إلى أن الكوكبات التجارية الضخمة أصبحت عاملاً رئيسياً في زيادة كثافة الأجسام في المدار الأرضي المنخفض. ففي نطاقات حول ارتفاع 550 كيلومتراً، أصبح عدد الأجسام الخطرة من الحطام مماثلاً تقريباً لعدد الأقمار العاملة. وتتفاقم المشكلة في المدارات الأعلى، حيث يبقى الحطام فترات طويلة قبل أن تؤدي مقاومة الغلاف الجوي إلى إسقاطه. وهنا يتحول حزام الكويكبات الاصطناعي من صورة بلاغية إلى خطر حقيقي.

متلازمة كيسلر: الحطام ينتج حطاماً

عندما يصطدم قمر معطل بجسم آخر، لا تختفي المشكلة، بل قد يتحطم الاثنان إلى مئات أو آلاف القطع. وكل قطعة جديدة تصبح مقذوفاً يمكنه الاصطدام بجسم ثالث، منتجاً شظايا إضافية. هذه السلسلة تُعرف باسم متلازمة كيسلر. وتحذر وكالة الفضاء الأوروبية من أن عدد قطع الحطام يمكن أن يستمر في الارتفاع حتى لو توقفت البشرية عن إطلاق أقمار جديدة تماماً، لأن الاصطدامات والتفتت تنتج حطاماً جديداً بوتيرة قد تتجاوز قدرة البيئة المدارية على التخلص منه طبيعياً.

وتقول الوكالة إن الاتجاه الحالي غير مستدام على المدى الطويل، وإن مجرد منع إنتاج نفايات جديدة لم يعد كافياً، بل يتطلب الحفاظ على بعض المدارات إزالة أجسام موجودة بالفعل. وتزداد المفارقة مع توسع صناعة الفضاء نفسها؛ فالأقمار الجديدة ليست حطاماً، والكوكبات الحديثة تتضمن إجراءات للمناورة والتخلص من الأقمار بعد انتهاء خدمتها، لكن ارتفاع أعداد الأجسام في المدارات المزدحمة يعني مزيداً من عمليات تفادي الاصطدام، ومزيداً من التنسيق المطلوب لإدارة حركة المرور الفضائية. وتؤكد ESA أن احتمالات الاصطدام في بعض المدارات المزدحمة أصبحت تستدعي بالفعل مناورات تفاد بصورة منتظمة، وأن استمرار السلوك الحالي قد يرفع مستوى المخاطر إلى ما يتجاوز حدود الاستدامة.

بعد أقل من 70 عاماً على إطلاق سبوتنيك، أحاط الإنسان كوكبه ببيئة جديدة لم تصنعها الطبيعة. واليوم يوجد نحو 16 ألف قمر عامل، وأكثر من مليون قطعة حطام بحجم سنتيمتر فأكثر، بينما تستعد الشركات لإضافة آلاف الأقمار الأخرى. فالخطر لم يعد فقط في حزام الكويكبات الذي صنعناه بالفعل، بل في السرعة التي نواصل بها بناءه.