عاجل
٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ| الأحد، 6 سبتمبر 2026
الرياض +17°C

تحليل حكاية 'سبحونة' السعودية وفق منهج بروب: وظائف سردية وشخصيات خرافية

06/09/2026 01:01

يقدم هذا العرض التحليلي دراسة للحكاية الأولى من كتاب “أساطبر من قلب جزيرة العرب”، وهي حكاية “سبحونة” أو “حصان أخوي خضير”، وذلك باستخدام منهج فلاديمير بروب المعروف بمورفولوجيا الحكاية الخرافية. يعتمد هذا المنهج على تحليل الشخصيات وتحديد طبيعتها وفق الوظائف التي تؤديها والأدوار التي تتقمصها.

تعتبر حكاية “سبحونة” حكاية مميزة افتتح بها عبد الكريم الجهيمان كتابه، وتقوم على خرافة وجود كائن من الجن تحول إلى حصان، دون أن توضح الحكاية سبب هذا التحول أو استمراره حتى مصرعه دون استعادة صورته الأصلية.

شخصيات الحكاية وأدوارها السردية

البطلة في هذه الحكاية هي جوزاء، التي تشكل محور الأحداث كلها، فهي حاضرة في جميع المشاهد عدا مشهد واحد حين أرسلت جاريتها لاقتباس النار من الشرير الثاني. أما دور الشرير أو المعتدي فتقوم به شخصيتان: الأولى هي الحصان خضير، وهو جني تجسد في صورة حصان من لحم ودم، لكن الحكاية لا تكشف سبب تجسده: هل كان بسبب عشقه لجوزاء، أم أنه تجسد لسبب آخر ثم رأى جوزاء وعشقها؟ وحتى بعد مطاردته لجوزاء وقتلها له، لم يعد إلى صورته الجنية، بل أكلت جوزاء وخادمتها أجزاء من لحمه. يقوم الحصان خضير بوظائف أساسية هي التهديد والمطاردة وزعزعة الاستقرار الذي كانت تعيشه جوزاء في كنف أخيها، مما دفعها للرحيل. الشخصية الشريرة الثانية هي آكل لحوم البشر، الذي قتل خادمة جوزاء سعيدة وسلخ جلدها وأكلها، ثم تمكنت جوزاء بحيلة منها من قتله والتخلص منه، ليشكل هذا المعتدي الثاني المرحلة الثانية من الابتلاء.

أما دور المساعد فلم تقم به شخصية واحدة بل توزع على عدة شخصيات وآلات. أبرزها شخصية أخ جوزاء الذي اكتشف الخطر من الحصان خضير، فطلب من أخته عدم الخروج من غرفتها العلوية، وجعل في خدمتها مجموعة من الأشخاص، وعندما بطلت هذه الحيلة طلب منها الهروب ووعد بتأخير الحصان. ومن الأدوات المساعدة الشجرة السحرية التي صغرت نفسها لتسمح لجوزاء وسعيدة بالصعود عليها ثم ارتفعت لتحميهما من الحصان خضير. كما ساهم المقص السحري في الخلاص من الشرير الأول، وكان ذكاء جوزاء نفسه مساعداً آخر حيث مكنها من التخلص من آكل لحوم البشر.

فيما يخص دور المانح، لا تقدم الحكاية شخصية مانحة تقليدية. أهم مانح لجوزاء هو تجربتها الشخصية في الهروب من الحصان خضير، حيث أكسبتها خبرة مكنتها من قتله بعد أربع محاولات، ثم من آكل لحوم البشر بحيلتها وذكائها. كما أن أخاها منحها الحماية والوسيلة للنجاة والخادمة التي ضحت بنفسها. الشجرة السحرية منحتها الحماية، والمقص السحري قتل الحصان خضير. ودور المعاون أو الرفيق قامت به الجارية سعيدة التي رافقت جوزاء وساعدتها، لكنها انتهت ضحية للشرير الثاني. وفي ختام الحكاية، يظهر الأمير أو الزوج عندما يدخل صاحب البستان الثري ويكتشف جوزاء في مخبئها ويقرر الزواج منها، لتنتهي الحكاية بالاستقرار من جديد.

الوظائف السردية الرئيسية

الوظائف الواحدة والثلاثون التي اشتهر بها فلاديمير بروب في مورفولوجيا الحكاية تشكل خطاطة كلية لجميع الوظائف التي صادفها في القصص الشعبية، ولا تتوفر بالضرورة كلها في كل قصة، مع حضور مطلق لبعض الوظائف الرئيسية مثل الخرق والنهي، والشر والإضرار، والفعل المضاد. وأهم الوظائف السردية التي برزت في حكاية “حصان أخوي خضير” هي:

الحالة الابتدائية: بدأت القصة بحالة استقرار ونعمة تعيشها جوزاء في منزل أخيها الثري، محاطة بالخدم ومتوفر لها كل شيء. التحذير: حذرها أخوها من هيجان الحصان خضير كلما رآها، فقرر إبعادها في أعلى المنزل وعدم نزولها. الخرق والنهي: قامت جوزاء بخرق الأمر دون قصد عندما ضربت أرضية غرفتها فانهار السقف، مما جعل الحصان خضير يراها ويهيج. الشر والإضرار: بدأ الحصان في الهيجان بشكل لم يستطع أخوها تهدئته، فعلم أن جوزاء هالكة إن بقيت، فطلب منها الهرب مع الجارية سعيدة.

الوساطة وتبليغ الكارثة: طلب أخوها منها الهرب للشر الذي سيقع عليها، وأبلغها بضرورة الرحيل. بدء الفعل المضاد: نفذت جوزاء طلب أخيها بالهروب مع الخادمة، حاملة معها ما يعينها في الرحلة ومن ضمنه المقص السحري الذي سيكون أداة النجاة. الرحيل: رحلت جوزاء مع جاريتها هرباً من الحصان خضير. المطاردة: طاردها الحصان خضير في الصحراء حتى لجأت إلى الشجرة السحرية للإنقاذ المؤقت. الإنقاذ المؤقت: لجأت إلى الشجرة السحرية ونادتها بألفاظ محددة لتنخفض ثم تعلو. الحصول على الأداة السحرية الحاسمة: بعد ثلاث محاولات، استخدمت جوزاء المقص السحري فرمته في جوف الحصان خضير فقتله، فكانت النجاة من الشرير الأول.

الرحلة والمحن المتتالية

بعد القضاء على الحصان خضير، ضلت المرأتان في الصحراء حتى وقعتا في محنة أخرى مع آكل لحوم البشر، الذي قتل سعيدة وسلخ جلدها، ثم تمكنت جوزاء بذكائها من التخلص منه بارتداء جلد سعيدة كأداة سحرية تحميها في الصحراء. ثم واصلت جوزاء وحدها الضياع في الصحراء حتى وجدت البستان الذي لجأت إليه واحتمت داخله من الصحراء ووحوشها. التنكر والعبور: بارتداء جلد سعيدة، تمكنت جوزاء من التنكر والعبور في الصحراء، حيث كان الجلد مطابقاً تماماً لجسمها فلم يكتشف أحد أنها متنكرة. الوصول إلى الفضاء الخصب: بعد أيام من الرحلة في الصحراء، وصلت إلى البستان وشعرت بالراحة فيه، فنزعت جلد الجارية واستحمت وارتدت ملابسها. الاختفاء ثم الانكشاف: اختبأت جوزاء في منزل البستان وبدأت تأكل نصف طعام صاحب البستان كل يوم، مما جعله يراقب المكان حتى كشفها في مخبئها. التعرف والقبول: بعد أن كشفها، سألها من هي وهل هي من الإنس أم الجن، وعندما تعرف عليها وعرف ما جرى لها من محن، طلب منها الزواج.

النهاية السعيدة والاستقرار

بعد التعرف عليها، طلب صاحب البستان الزواج من جوزاء، فوافقت ورضيت به زوجاً، فذهب بها إلى قاضي مدينتهم ليقوم بالعقد الشرعي عليها، حيث إنها تعتبر دون ولي. وبذلك تتوج الحكاية بالنهاية السعيدة، حيث حصلت الأميرة الفتاة الثرية على الأمير صاحب البستان الثري، وعاشت في سعادة بقية حياتها. وتكمن أهمية المقاربة المورفولوجية، التي كانت أحد أهم إرهاصات النظرية البنيوية، في أنها تقوم على جملة من الوظائف المترابطة بدءاً ونهايةً تفضي في نطاق الحكايات الشعبية والأساطير التراثية إلى ما نسميه بالنهايات السعيدة، مروراً بنصيب وافر من اللامعقول الذي تجسده الوظيفة السحرية، كما هو الأمر في كثير من قصص “أساطير من قلب جزيرة العرب”. فالحكايات الشعبية في هذا الكتاب تميزت بأبعادها الإنسانية بما تحمله من إرث فكري حضاري، اختلفنا معه في هذا الزمن، إلا أنه في زمن صدور الحكاية وصناعتها كان يحظى بقبول فكري واجتماعي، مما يعطينا تصوراً وإدراكاً كاملاً لطبيعة الحياة الإنسانية حضارة وثقافة لإنسان قلب الجزيرة العربية المملكة العربية السعودية في حقبة زمنية ما.