أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يوم الجمعة، أن بلاده تنظر إلى الاستثمار في المجالات التكنولوجية المتطورة باعتباره حتمية لا يمكن تجنبها، وليس مجرد خيار متاح. وشدد على ضرورة الإسراع في التحول نحو أنماط الإنتاج التي تتميز بقيمة مضافة مرتفعة.
جاءت تصريحات أردوغان خلال كلمة ألقاها في فعاليات الدورة الثالثة عشرة من “أسبوع الابتكار”، الذي تحتضنه مدينة إسطنبول في مركز المؤتمرات. ويُقام هذا الحدث بتنظيم من مجلس المصدرين الأتراك، وبدعم من وزارة التجارة التركية، وبالشراكة الإعلامية لوكالة الأناضول.
الاستثمار في التكنولوجيا ضرورة استراتيجية
أوضح أردوغان أن بلاده تمكنت، من خلال مبادرتها الوطنية في المجال التكنولوجي، من بناء بنية تحتية ضخمة في قطاعات البحث والتطوير والابتكار، لا تتوفر إلا في عدد محدود من الدول حول العالم.
وكشف أن الحكومة التركية تستهدف إنشاء 100 ألف مشروع تكنولوجي جديد بحلول عام 2030، على أن تصل قيمتها الإجمالية إلى 100 مليار دولار أمريكي.
وأشار الرئيس التركي إلى أن بلاده تعمل حالياً على تحويل مباني صالات الركاب في مطار أتاتورك إلى ما وصفه بـ”أكبر مركز عالمي للتكنولوجيا وريادة الأعمال”، وذلك تحت اسم “ترمينال إسطنبول”.
إنجازات الصناعات الدفاعية والطيران
لفت أردوغان إلى أن تركيا تمكنت خلال العام الماضي من تصدير منتجات في مجالي الدفاع والطيران بقيمة تجاوزت 10 مليارات دولار إلى 180 دولة ومنطقة مختلفة حول العالم.
وأكد أن قطاع الصناعات الدفاعية التركي يضم حالياً أكثر من 4500 شركة، ويعمل على تنفيذ أكثر من 1400 مشروع، ويوفر فرص عمل مباشرة لنحو 100 ألف شخص، فيما تبلغ القيمة الإجمالية لمشاريعه أكثر من 100 مليار دولار.
وأضاف أن صادرات هذا القطاع ارتفعت خلال الفترة الممتدة من يناير إلى سبتمبر من العام الحالي 2026 بنسبة 15.6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل إلى 6.9 مليارات دولار.
تحذيرات من أوليغارشية التكنولوجيا
حذر أردوغان مما أسماه “أوليغارشية التكنولوجيا”، مؤكداً أنها لا تستهدف دولاً معينة فقط، بل تمثل خطراً على العالم بأسره. وأشار إلى أن تحديد مدى استعداد قطاع الأعمال لهذه المرحلة الجديدة يكتسب أهمية بالغة، خاصة في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها شتى مجالات الحياة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، وأنظمة البيانات، والتقنيات ذاتية التشغيل.
وأعرب الرئيس التركي عن قلقه من أن العامل البشري لا يحظى بالاهتمام الكافي مع التقدم التكنولوجي السريع. وأشار إلى تزايد أعداد الأشخاص الذين يتساءلون عن العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، قائلاً إن علامات الاستفهام تتزايد، وتحل المخاوف محل الثقة، ليس فقط في الأوساط الفكرية، بل أيضاً في أوساط الأعمال والأكاديميا والمجتمع بشكل عام.
وأضاف: “عند النظر في تاريخ البشرية، نجد أن هناك من قاوموا التغيير، وخافوا منه، وقلقوا من فقدان إمكاناتهم بسببه. وسيحدث ذلك مستقبلاً أيضاً، لكن في كل مرة كان يتم التوصل إلى حل وسط بين الإنسان والتكنولوجيا، وتلك التكنولوجيا التي كانت تُعارض تصبح مع الوقت جزءاً لا غنى عنه من حياة الإنسان”.
ولفت إلى أن مخاوف مماثلة تُثار اليوم بشأن العديد من الابتكارات، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، مشدداً على أن جزءاً كبيراً من هذه المخاوف مبرر وفي محله.
واستشهد أردوغان ببيان من 22 بنداً نشرته شركة متخصصة في تحليل البيانات وتعمل في مجالات الدفاع والاستخبارات والأمن في أبريل الماضي، معتبراً أنه يكشف الخطر الذي ينتظر البشرية. وأوضح أن هذا البيان يظهر نظرة هذه العقلية إلى الإنسان والحياة والمجتمع، فهي تسيطر على ميزانيات هائلة تبلغ مئات المليارات من الدولارات، وتنظر إلى العالم باعتباره رقعة أحجية يمكن تحريك قطعها كيفما تشاء.
وأكد الرئيس التركي أن البشر غير قادرين على قياس أبعاد هذا التهديد الجديد بشكل كامل، والذي يسميه البعض “التكنوقراطية” وآخرون “الفاشية التكنولوجية”، كما أنهم لا يستطيعون التنبؤ بالمشكلات التي ستسببها ظاهرة “المصانع المظلمة”، التي يكاد ينعدم فيها العنصر البشري، في مجال التوظيف.
الاستثمار في البحث والتطوير
أشار أردوغان إلى أن تركيا رفعت إنفاقها على البحث والتطوير من 1.2 مليار دولار في عام 2002 إلى 20 مليار دولار حالياً. كما ارتفع عدد مجمعات التكنولوجيا من عدد محدود قبل 24 عاماً إلى 115 مجمعاً.
وشدد على أهمية الاستثمارات التكنولوجية للاقتصاد التركي والسيادة الرقمية، مستشهداً بالتطور الذي شهده قطاعا الدفاع والطيران. وأوضح أن نسبة المكون المحلي في هذين القطاعين كانت لا تتجاوز 20% في عام 2002، فيما كانت الصادرات لا تزيد عن 248 مليون دولار. وأشار إلى أن تركيا كانت مضطرة لاستيراد العديد من المعدات الأساسية لأنظمتها الأمنية، وكان الموردون يتدخلون أحياناً في كيفية استخدامها والجهات التي تُستخدم ضدها.
واختتم أردوغان بالقول إن تركيا عانت كثيراً من الاعتماد على الخارج، بدءاً من عملية السلام العسكرية في قبرص وصولاً إلى مكافحة الإرهاب، لكن الخطوات التي اتخذتها البلاد غيرت هذا الواقع.






