تمييز بين تضخم الطلب وتضخم العرض
بعد أكثر من أربع سنوات من أقوى موجة تضخم شهدها العالم منذ عقود، أصبحت صورة الأسعار أكثر تعقيداً مما كانت في عامي 2022 و2023. تمكّن المصرفون من تهدئة جانب كبير من الضغوط الناجمة عن الطلب عبر رفع أسعار الفائدة بقوة، لكن عدداً متزايداً من المحللين يرى أن التضخم الحالي لم يعد مجرد نتيجة لإنفاق الأسر والشركات، بل يرتبط أيضاً بعوامل هيكلية على جانب العرض مثل اضطرابات الطاقة، سلاسل الإمداد، التوترات الجيوسياسية وإعادة تشكيل التجارة العالمية.
التعريف بالأنواع وتأثيرها على السياسة النقدية
التضخم الناجم عن الطلب يحدث عندما يتجاوز الطلب الكلي قدرة الاقتصاد على الإنتاج، مما يؤدي إلى تنافس الأسر والشركات على السلع والخدمات وارتفاع الأسعار. هذا النوع قابل للعلاج بسهولة عبر الأدوات النقدية التقليدية لأن رفع الفائدة يقلل الاقتراض والإنفاق والاستثمار. أسبابه تشمل النمو الاقتصادي السريع، توسع الإنفاق الحكومي، زيادة السيولة والإقراض، وارتفاع ثقة المستهلكين. عادة ما يرافقه تحسن في معدلات التشغيل والنمو الاقتصادي، وفعالية البنوك المركزية فيه عالية جداً.
أما التضخم الناجم عن العرض فيحدث عندما ترتفع تكاليف الإنتاج أو تنخفض القدرة الإنتاجية بسبب صدمات خارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة، اختناقات سلاسل التوريد، الحروب أو الكوارث الطبيعية. في هذه الحالة ترتفع الأسعار حتى لو كان الطلب ضعيفاً نسبياً، ما يجعل مهمة البنوك المركزية أكثر صعوبة. أسبابه تشمل صدمات أسعار الطاقة والنفط، النزاعات الجيوسياسية، اضطراب سلاسل التوريد، وزيادة أسعار المواد الخام. تأثيره على النمو يكون ارتفاع الأسعار مع تباطؤ أو انكماش النشاط الاقتصادي (حالة الركود التضخمي). فعالية البنوك المركزية فيه محدودة لأن رفع الفائدة لا ينتج نفطاً ولا يحل مشكلات الشحن بل قد يزيد من أعباء تمويل الشركات.
تقييمات المؤسسات الدولية وتحديات السياسة النقدية
وفقاً لأحدث تحديثات صندوق النقد الدولي، فإن مسار تراجع التضخم العالمي الذي بدأ في 2024 تباطأ خلال 2026، مع توقع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4.7 بالمئة هذا العام قبل أن يتراجع مرة أخرى في 2027. يربط الصندوق ذلك بارتفاع أسعار الطاقة، الاضطرابات الجيوسياسية وتزايد مخاطر سلاسل التوريد.
من جهته حذر البنك الدولي من أن صدمات الطاقة الأخيرة أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة، مشيراً إلى أن مزيج التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي الأبطأ يفرض تحديات معقدة على صناع السياسات في الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
وأكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن استمرار اضطرابات أسواق الطاقة والسلع الأساسية قد يحد من قدرة البنوك المركزية على خفض الفائدة سريعاً، ما يعني بقاء السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول مما كانت الأسواق تتوقع.
هل كانت البنوك المركزية على الطريق الصحيح وما هو الطريق ahead؟
الإجابة المختصرة هي نعم جزئياً؛ فالاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والبنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا تواجه معضلة استثنائية لأن الموجة التضخمية الراهنة مزيج من الجانبين. نجحت هذه المؤسسات في كبح جزء مهم من التضخم المرتبط بالطلب عبر رفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة، مما ساعد في منع تحول الصدمة التضخمية إلى دوامة مستمرة من ارتفاع الأجور والأسعار.
لكن السياسة النقدية لا تستطيع إنتاج مزيد من النفط أو إصلاح سلاسل الإمداد أو إنهاء النزاعات الجيوسياسية. لذلك يحد رفع الفائدة من الطلب لكنه لا يعالج جذور الصدمات التي تضرب جانب العرض. أظهر بحث حديث صادر عن صندوق النقد الدولي أن البنوك المركزية تواجه معضلة حقيقية عند التعامل مع صدمات العرض: هل تتجاهل الأثر المؤقت أم تشدد السياسة لمنع انفلات توقعات التضخم؟ ويحذر التقرير من أن التأخر في اتخاذ القرار قد يكون مكلفاً للغاية.
ويرى خبراء في بنك التسويات الدولية (BIS) أن العالم يدخل مرحلة تتزايد فيها ضغوط العرض مقارنة بالعقود السابقة، بفعل عدة عوامل: تراجع العولمة وارتفاع القيود التجارية، التوترات الجيوسياسية وإعادة رسم سلاسل التوريد، التحول إلى الطاقة النظيفة وما يرافقه من استثمارات ضخمة، الشيخوخة السكانية ونقص العمالة في بعض الاقتصادات، والتأثيرات المناخية على الغذاء والطاقة. هذه العناصر قد تجعل التضخم أكثر تقلباً وأكثر مقاومة للسياسات النقدية التقليدية مما كان عليه خلال العقدين السابقين.
في الخلاصة، رغم أن البنوك المركزية حققت تقدماً ملموساً في احتواء التضخم الناجم عن الطلب، فإن المعركة لم تُحسم بعد. فالتضخم الحالي يحمل مكونات هيكلية مرتبطة بالتجارة والطاقة والجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد، وهي عوامل لا يمكن لأسعار الفائدة وحدها معالجتها. لذلك لم يعد السؤال ما إذا كانت البنوك المركزية تتخذ الإجراءات الصحيحة، بل ما إذا كانت أدواتها التقليدية كافية للتعامل مع اقتصاد عالمي أصبحت فيه صدمات العرض أكثر تكراراً وتأثيراً.
وتشير أحدث تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية إلى أن السيطرة المستدامة على التضخم ستتطلب مزيجاً من السياسة النقدية والانضباط المالي والاستثمارات التي تعزز مرونة الاقتصاد وسلاسل التوريد، وليس الاعتماد على الفائدة وحدها.






