عاجل
٧ ربيع الثاني ١٤٤٨ هـ| الأحد، 20 سبتمبر 2026
الرياض +22°C

مدرسة قباطاش الثانوية بإسطنبول.. 118 عاماً من التعليم العريق على ضفاف البوسفور

20/09/2026 09:57

على ضفاف مضيق البوسفور في مدينة إسطنبول التركية، تواصل مدرسة قباطاش الثانوية للبنين مسيرتها التعليمية التي انطلقت قبل 118 عاماً. تستقبل المدرسة مئات الطلاب يومياً في مباني قصور “فريه” التاريخية بمنطقة أورتاكوي، مجسدة إرثاً تعليمياً يمتد من أواخر العهد العثماني حتى الجمهورية التركية الحديثة.

من السلطانية إلى الثانوية

تأسست المدرسة في 18 مايو/ أيار 1908 في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، في موقع كان يضم سابقاً مدرسة “العشائر”، وبدأت نشاطها بـ7 فصول دراسية و276 طالباً. في عام 1913 أضيف إليها القسم الابتدائي وحملت اسم “قباطاش سلطاني”، ثم واصلت مسيرتها بعد إعلان الجمهورية التركية تحت اسم “مدرسة قباطاش الثانوية للبنين” اعتباراً من العام الدراسي 1923-1924. ارتبطت المدرسة بتاريخ الحروب، إذ التحق عدد من طلابها بجبهتي حروب البلقان وتشناق قلعة، مما حال دون تخريج دفعتين، فعرفت لاحقاً باسم “المدرسة المحاربة” أو “المدرسة الغازية”.

مدرسة غازية وشهداء

يقول مدير مدرسة قباطاش الثانوية للبنين محرّم بيرق، في حديث للأناضول، إن ارتباط المدرسة بهذه المرحلة التاريخية يمثل جزءاً من هويتها. يوضح بيرق أن “قباطاش الثانوية للبنين مدرسة غازية فقدت شهداء في كل من البلقان وتشناق قلعة، فضلاً عن أنها رفدت الحياة السياسية والاجتماعية التركية بأسماء لامعة”. ويضيف أن هذه الخلفية التاريخية جعلت المدرسة تقوم على روح الجماعة والانتماء، مشيراً إلى أن استمرارها منذ تأسيسها يعكس مكانتها في الحياة التعليمية التركية. وتخليداً لذكرى الطلاب الذين قتلوا في الحروب، تغيرت ألوان راية المدرسة من الأحمر والأبيض إلى الأحمر والأسود، وهي الألوان المستخدمة حتى اليوم.

قصور فريه التاريخية

مع تزايد أعداد الطلاب، لم تعد مباني المدرسة القديمة في قباطاش قادرة على استيعاب الاحتياجات الجديدة، فانتقلت مع بداية العام الدراسي 1928-1929 إلى قصور فريه التاريخية في أورتاكوي بمنطقة بشيكطاش، حيث ما زالت قائمة حتى اليوم. في عام 1941-1942 أُغلق القسم المتوسط وأصبحت المدرسة ثانوية فقط، قبل إضافة القسم الثالث من قصور فريه عام 1949 واستخدامه مبنى داخلياً للطلاب. اعتمدت المدرسة نظام التعليم المختلط عام 1992-1993، ثم حصلت في العام الدراسي 1998-1999 على صفة “مدرسة الأناضول الثانوية”، وهي فئة من المدارس ذات البرامج التعليمية المتخصصة والقبول التنافسي. منذ 2006-2007 تتبع المدرسة نظاماً تعليمياً يضم سنة تحضيرية وأربع سنوات دراسية، مع الحفاظ على مبانيها التاريخية ومقتنياتها التي توثق مراحل مختلفة من تاريخها.

متحف وشخصيات بارزة

تحتفظ المدرسة بمتحف يضم مقتنيات تاريخية، أبرزها رايتا مدرسة قباطاش السلطانية ومدرسة قباطاش الثانوية للبنين، إضافة إلى تماثيل نصفية لخريجين تركوا بصمات في مجالات مختلفة، بينهم سليمان رضا سبا، وعمر سيف الدين، وبهجت نجاتيغيل، وغالب فاردا، وفاروق نافذ تشامليبيل، وعدنان قهوه جي. تضم المقتنيات أيضاً ميدالية الاستقلال ووثيقتها التي منحت لخريج المدرسة غالب فاردا. يشير بيرق إلى أن المدرسة تأسست بهدف إعداد كوادر للعمل في مؤسسات الدولة، قبل أن يصبح خريجوها لاحقاً حاضرين في مجالات الإدارة والفنون والرياضة والاقتصاد، مؤكداً أن شبكة الخريجين ما زالت تمثل مصدر دعم وتحفيز للمؤسسة.

حضور أكاديمي وتقني

يقول بيرق إن المدرسة تواصل حضورها الأكاديمي، إذ “تعد من المؤسسات التي يختارها الطلاب الحاصلون على 500 نقطة كاملة في امتحان الانتقال إلى المدارس الثانوية”، مشيراً إلى تحقيق طلابها نتائج متميزة في امتحان مؤسسات التعليم العالي وقبول عدد منهم في جامعات خارج تركيا. يضيف أن المدرسة تضم حالياً 5 إداريين و70 معلمًا و806 طلاب من 72 ولاية تركية، وأن نحو 80 بالمئة من خريجيها يفضلون الالتحاق بالجامعات داخل تركيا. يوضح بيرق أن نتائج امتحان القبول الجامعي تضمنت تحقيق المدرسة 3 مراكز ضمن الخمسة الأوائل، و5 ضمن العشرة الأوائل، و24 ضمن المئة الأوائل، و73 ضمن أول 500، و94 ضمن أول ألف، و304 ضمن أول خمسة آلاف. يضيف أن 53 طالباً التحقوا بكليات الطب، ونحو 70 طالباً بكليات الهندسة، فيما حصل 20 بالمئة من الطلاب على قبول ومنح دراسية في جامعات مرموقة حول العالم. يشير بيرق إلى أن من بين خريجي المدرسة أوزدمير بيرقدار، أحد الأسماء المرتبطة بمشروع “النهضة التكنولوجية الوطنية” والطائرات المسيّرة المسلحة التركية. لا تقتصر أنشطة المدرسة على التعليم الأكاديمي، إذ تضم ورشاً في مجالات الروبوتات والطائرات المسيرة والحرف اليدوية والسينما والتصوير والفنون البصرية، وتخطط لإنشاء ورش متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتصميم الصناعي وتقنيات المعلومات.

إرث ومسؤولية

يؤكد بيرق أن استمرار المدرسة في أداء دورها التعليمي منذ 118 عاماً “يضع مسؤوليات كبيرة على إدارتها”، مشيراً إلى أن قوة شبكة الخريجين وارتباطهم بالمدرسة يمثلان عنصر دعم للمؤسسة. يقول: “اتساع شبكة خريجينا وحرصهم على دعم المدرسة، إلى جانب تحفيز طلابنا، يدفعنا إلى تحقيق مزيد من النجاح، وعلينا أيضاً أن ننتج المزيد من المشاريع، وأن نعمل على تحسين البيئة التعليمية في المدرسة”. يردف بيرق: “علينا تنفيذ أنشطة تتيح لطلابنا التعرف إلى التطورات التي يشهدها القرن الذي نعيش فيه، ونحن نتحرك بدافع من هذا الشعور وهذه الأفكار، وبإحساس كبير بالمسؤولية”. يشير إلى أن المدرسة استقبلت في امتحان الانتقال إلى المرحلة الثانوية لعام 2025 طلاباً حصلوا على العلامة الكاملة، معتبراً أنهم يمثلون قيمة مضافة للمدرسة ومستقبل البلاد. يختم بيرق بالقول إن النظر إلى الطلاب باعتبارهم “مستقبل البلاد” يدفع إدارة المدرسة إلى العمل “بروح وطنية كبيرة” للمساهمة في تشكيل هذا المستقبل، مؤكداً أن دور المدرسة يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى دور تربوي ومجتمعي أوسع.