عاجل
الإثنين، 26 أكتوبر 2026١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 20°C

تلال هادئة وماضٍ قاتم.. قرية بندل الإنجليزية تستعيد حكاية محاكمات الساحرات

25/10/2026 21:02

لا تكشف المروج الخضراء والبيوت الريفية المتناثرة والبلدات الهادئة في منطقة بندل، الواقعة شمال غرب إنجلترا، عمّا تخبئه الأرض من ذاكرة ثقيلة. ففي هذا المكان، تلتقي المناظر الطبيعية الساحرة بتاريخ دموي شهد إعدام عشرة أشخاص بتهمة ممارسة السحر، ليتحول كل ركن فيه إلى محطة تجمع بين المتعة البصرية والقصص المثيرة للقلق.

وتشير تقارير إعلامية، من بينها ما بثته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، إلى أن هذه المنطقة التابعة لمقاطعة لانكشاير تجذب هواة التاريخ والغموض، خاصة في موسم الهالوين، عبر مسارات سياحية تحكي وقائع اتهام 12 شخصاً بممارسة السحر في عام 1612، وهو ما يعد من أبرز محاكمات السحر في تاريخ بريطانيا.

ويحيط بتل بندل، البالغ ارتفاعه 557 متراً، تراث شفهي مليء بالحكايات عن الأشباح والكيانات الشريرة. ومن بين هذه الروايات الشعبية المتوارثة، يُقال إن آخر بقعة ثلج تذوب فوق القمة تأخذ شكل ساحرة، وهي إشارة تمنح المكان هالة من اللغز.

لقاء عابر يشعل الشرارة

كانت البداية في مارس من عام 1612، حين التقت أليسون ديفايس، وهي امرأة تمارس العلاج التقليدي، ببائع متجول يُدعى جون لو. ولم يمضِ وقت طويل على هذا اللقاء حتى انهار الرجل، لتتوالى بعدها اتهامات غيّرت مسار حياة عائلات بأكملها في المنطقة.

وقد أبلغ نجل البائع السلطات عن ديفايس، التي يُروى أنها أقرّت بأنها تسببت في شلل والده. ولم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، بل طالت جدتها ونساء أخريات كنّ معروفات بممارسة العلاج الشعبي أو الادعاء بقدرات خارقة للطبيعة.

وبعد ذلك، لفت تجمعٌ في منزل عائلة ديفايس انتباه القاضي المحلي وأثار شكوكه، مما أدى إلى توسيع نطاق التحقيقات والاعتقالات ليشمل أفراداً ينتمون إلى خلفيات اجتماعية متباينة.

ومن بين المتهمين الذين اقتيدوا عبر غابة بولاند إلى قلعة لانكستر، كانت أليس ناتر، وهي سيدة ثرية من قرية روفلي، وقد احتُجزوا جميعاً في أوضاع قاسية داخل القلعة.

إفادة طفلة تقلب الموازين

واجه المتهمون تهم ممارسة السحر والتسبب في مقتل عشرة أشخاص. وكانت شهادة طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها حاسمة في إدانة عدد من أفراد عائلتها.

وأسفرت المحاكمات عن إعدام تسعة من المتهمين شنقاً في لانكستر، فيما أُعدم متهمة أخرى في يوركشاير. أما امرأة واحدة فقد توفيت قبل انعقاد المحكمة، بينما خرجت متهمة أخرى ببراءة تامة.

وبعد مرور أكثر من أربعة قرون، ما زالت هذه الأحداث حاضرة في وجدان المنطقة، إذ تحولت الأماكن المرتبطة بها إلى محطات ضمن مسارات سياحية تتيح للزوار استكشاف الريف والاطلاع على تاريخ تلك المحاكمات.

شواهد وروايات متضاربة

يمكن للزائر أن يبدأ جولته من قرية نيوتشيرش إن بندل، حيث أقام عدد من المتهمين. وفي أزقة هذه القرية وبين منازلها الريفية، تنتشر أعمال فنية مستوحاة من شخصيات الساحرات، كما تعلو بعض الأبواب حدوات خيول، في تقليد شعبي يُعتقد أنه يقي من التعويذات والشرور.

وتوجه اللافتات الزوار نحو كنيسة سانت ماري الواقعة أسفل تل بندل، وفيها قبر يُعرف بين السكان باسم “قبر الساحرات”، وتشير روايات متوارثة إلى أنه يعود لأليس ناتر.

غير أن المؤرخ ستيفن أولدفيلد يضع هذه النسبة موضع شك، مبيّناً أن اسم عائلة ناتر كان واسع الانتشار في ذلك الوقت، وأن الأشخاص المدانين بالسحر لم يُسمح لهم بالدفن في مقابر مقدسة.

وفي برج الكنيسة، ثمة نقش على هيئة عين يُطلق عليه “عين الله”. ووفقاً للتراث المحلي، فقد أُضيف هذا النقش بعد انتهاء المحاكمات بهدف حماية القرية من الأرواح الخبيثة.

طبيعة هادئة وذاكرة قاسية

وبمعزل عن هذه الحكايات، تمنح بندل زوارها إطلالات على مرتفعات خضراء ومراعٍ شاسعة تمتد نحو مقاطعة يوركشاير المجاورة؛ مشاهد طبيعية هادئة ترافق الزائر في رحلة نحو ماضٍ بالغ القسوة.