عاجل
السبت، 24 أكتوبر 2026١٢ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـالرياض 21°C

لبناني يحوّل شغفه بالسيارات إلى متحف مجاني يضم 45 ألف سيارة مصغرة

30/09/2026 07:12

في بلدة زوق مكايل الواقعة شمال العاصمة اللبنانية بيروت، وتحديداً في منطقة “مخازن الخشب”، يقف مبنى لا يكشف مظهره الخارجي عما يضمه؛ فخلف جدرانه متحف يزخر بآلاف السيارات والطائرات ومجسمات الجنود، ويختزل في تفاصيله عقوداً من التاريخ والرياضة وذكريات صاحبه.

داخل المبنى، يستقبل صاحب المتحف بيلي كرم (70 عاماً) زواره في مكتبه، ثم تبدأ جولة بين طابقين يضمان سيارات مصغرة من مختلف الأنواع، ومركبات سباق تتقدمها “فيراري” و”بورشه”، وسيارات إسعاف وشرطة استخدمت في دول مختلفة.

كما تضم المقتنيات طائرات مدنية وحربية مصغرة من دول متعددة، ومجسمات تعيد إنتاج مشاهد من الحربين العالميتين الأولى والثانية ومن حروب لبنان. وفي الزوايا، تتراص مجسمات الجنود والجيوش بجانب شخصيات كرتونية شهيرة مثل “ميكي ماوس” و”تان تان” و”ميلو”، فيبدو المكان وكأنه يعرض ذاكرة العالم من خلال نظرة رجل واحد.

متحف يحفظ ذاكرة الرجل والبلد

في الطابق الثاني، ينتقل الزائر من عالم المجسمات إلى سيرة صاحب المتحف؛ فهناك أوسمة وشهادات توثّق أرقامه في موسوعة غينيس، وكؤوس البطولات التي حققها في سباقاته، وطوابع بريدية مطبوعة عليها صور سيارات، وصور تذكارية تجمعه بأبطال عالميين من “فورمولا 1” والراليات.

كرم لا يرى في المتحف مجرد معرض للسيارات المصغرة، بل حصيلة 33 عاماً من الشغف، وامتداداً لمسيرة انطلقت قبل ذلك بسنوات على الحلبات. وفي هذا الفضاء المليء بآلاف السيارات المصغرة، تبدو كل قطعة وكأن وظيفتها أكبر من حجمها؛ فبعضها يعيد إلى الأذهان سباقاً، وبعضها يذكّر بسيارة قادها كرم، وبعضها يلخّص مرحلة تاريخية، وبعضها يحتفظ بذكرى لقاء بطل عالمي.

وهكذا تحول المكان إلى مرآة لسيرة كرم وذكرياته، أعيد ترتيبها على رفوف تروي 33 عاماً من حياة رجل حوّل شغفه بالسيارات إلى متحف.

من الحلبات إلى عالم المجسمات

ويقول كرم في حديث مع وكالة الأناضول إن شغفه بالسيارات يعود إلى طفولته، وكان يميل خصوصاً إلى سيارات “بورشه”. ويضيف أن هذا الحب قاده إلى إنشاء أول نادٍ من نوعه لسيارات “بورشه” في الشرق الأوسط، وهي خطوة نالت تقدير شركة “بورشه” في ألمانيا.

وعن دخوله عالم السباقات، يقول إن البداية كانت عبر متابعة شقيقه الأكبر روني أثناء خوضه المنافسات، وهناك اكتشف عالم السرعة، ثم انتقل من دور المشاهد إلى المشاركة الفعلية. ويتابع: “مع مرور السنوات، تحولت المتابعة إلى شغف، والشغف إلى بطولات، ثم إلى جزء أساسي من حياتي”.

ويوضح أنه خاض سباقات راليات وحقق بطولات داخل لبنان، قبل أن يقلص تدريجياً وجوده على الحلبات ويتجه أكثر إلى جمع السيارات المصغرة والمجسمات.

أما بداية هواية الجمع، فيروي كرم أنها كانت في معرض فرنسي، حيث عثر على نماذج مصغرة لسيارة سبق أن قادها في لبنان وحقق بها لقب البطولة. ويقول إنه اشترى حوالي 20 نموذجاً، ثم عدّل أسماءها وألوانها لتشبه السيارة التي كان يستخدمها في السباقات.

ويضيف أن العدد تزايد في غرفته حتى ضاقت به، فاقترحت زوجته نقلها إلى مكتبه، ومع استمرار التزايد خصص غرفة أخرى، وهكذا بدأ المتحف يأخذ شكله حتى سجل أول رقم قياسي في غينيس.

أرقام قياسية ومقتنيات متنوعة

ويوضح كرم أن المتحف يضم حالياً نحو 45 ألف سيارة مصغرة، وأكثر من 700 مجسم من الديوراما، وأكثر من 11 ألف طابع بريدي، إضافة إلى مقتنيات أخرى تتعلق بالطيران والدراجات النارية وأنواع متعددة من سباقات السيارات. والديوراما نمط من العروض المصغرة يمزج المجسمات بخلفيات مرسومة أو مجسمة، بهدف إعادة إنتاج مشاهد تاريخية أو طبيعية على مقياس صغير يمنح إحساساً بالواقع.

ويشير إلى أن المجموعة تضم مركبات سباق وسيارات مدنية وسيارات شرطة وإسعاف. وبحسب كرم، يملك المتحف 7 أرقام قياسية في موسوعة غينيس، من بينها ثلاثة أرقام عن أكبر عدد من السيارات المصغرة، وأكبر عدد من المجسمات، وأكبر عدد من الطوابع البريدية التي تحمل صور سيارات.

الطابق الثاني يبدو كخزانة ضخمة لمسيرة كرم الرياضية، تضم كؤوس بطولاته وشهادات غينيس وصوره مع سائقين وأبطال عالميين التقاهم أثناء سنوات المنافسات. أمام مجموعة من الصور في هذا الطابق، يتوقف كرم مطولاً، ويقول إنها تحمل مكانة خاصة في قلبه لأنها تختصر سنوات قضاها في الرياضة وتعيد إليه ذكريات البطولات العالمية ولقاءاته مع أبطال “فورمولا 1” والراليات وسياراتهم.

وإلى جانب سيرة صاحبه وتاريخ السباقات، يعرض المتحف مجسمات عن الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومشاهد من الحروب التي عاشها لبنان والمنطقة. ويرى كرم أن هذه المجسمات تعكس أثر الأحداث الكبرى في حياته وفي ذاكرة اللبنانيين، ويصف متحفه بأنه “مرآة لكل شي صار وأثر بحياتنا”.

رسالة سلامة وطموح يتجاوز الواقع

ويؤكد كرم أن المتحف مفتوح مجاناً أمام الجميع، ولا سيما الطلاب، لأنه يريد له وظيفة أوسع من عرض السيارات والمجسمات، تصل إلى نشر ثقافة القيادة الآمنة. وبصفته رئيس نادي السيارات في لبنان، يعتبر كرم أن حب السيارات والسرعة لا يجب أن يتحول إلى استهتار بالحياة، لذا يحرص على تذكير الزوار الشباب بارتداء حزام الأمان وعدم استعمال الهاتف أثناء القيادة.

ويذكر كرم أن جان تود، الرئيس السابق للاتحاد الدولي للسيارات، زار المتحف وشجعه على مواصلة هذه الرسالة. ويقول إنه رغم توقفه عن المشاركة في السباقات، فإن شغفه بالسيارات لم ينطفئ، بل انتقل من الحلبة إلى قاعات المتحف، حاملاً ذكرياته وسياراته وصور منافسيه وأبطاله.

ويشير كرم إلى رغبته في توسيع المتحف وإضافة مشاريع وفعاليات جديدة، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة في لبنان تضع حدوداً لطموحاته. ويأمل في أن يتحسن الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد، بما يتيح له توسيع متحفه ومواصلة نشاطه المرتبط بالسيارات والسباقات.