عاجل
١ محرم ١٤٤٨ هـ| الأربعاء، 17 يونيو 2026
الرياض +18°C

حزم جليدية زرقاء متوهجة تتلألأ فوق القطبين: ظاهرة غيوم الليل المضيئة

31/05/2026 03:01

مع حلول فصل الصيف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، يتكرر مشهد فريد وجذاب فوق المناطق القطبية؛ حيث تتكوّن بلورات جليدية دقيقة وتلتصق بجزيئات غبار الشهب، لتظهر بعدها غيوم زرقاء كهربائية متموجة في السماء بعد غروب الشمس. تُعرف هذه الظاهرة باسم “غيوم الليل المضيئة”.

مواصفات الظاهرة ومواسم ظهورها

تُرصد غيوم الليل المضيئة عادةً في خطوط العرض العليا، ويظهر أول ظهور موسمي لها غالبًا في أواخر شهر مايو أو مطلع يونيو. تتكون هذه الغيوم عندما تصبح طبقات الغلاف الجوي العليا باردة بما يكفي لتتشكل حول الجسيمات الدقيقة ناتجة عن احتراق الشهب.

آلية التكوين وفق ما صرح به رئيس الجمعية الفلكية بجدة

أكد رئيس الجمعية الفلكية بجدة، ماجد أبو زاهرة، أن غيوم الليل المضيئة هي حزم جليدية زرقاء متوهجة تطفو عند حافة الفضاء لفترات طويلة. وعلى الرغم من أن آلية تكوينها لم تُفهم بالكامل، تشير البيانات العلمية إلى أن بلورات الجليد تتشكل حول جسيمات غبار الشهب، حيث يُقدّر أن نحو 3٪ من كل بلورة جليدية تنبع من دخان الشهب.

ويُقدر حجم جزيئات غبار الشهب المتضمنة في تكوين الغيوم بين 20 و70 نانومترًا، بينما تحتوي السحب الرقيقة في الطبقات الدنيا من الغلاف الجوي على بلورات أكبر بنحو 10 إلى 100 مرة نتيجة وفرة بخار الماء هناك.

دور النيازك والميثان في تكوين الغيوم

أوضح أبو زاهرة أن النظام الشمسي يزخر بأجسام صغيرة تتراوح بين الصخور الدقيقة والجسيمات الغبارية المجهرية، وتجرّ الأرض عدة أطنان منها يوميًا. عندما تدخل النيازك الغلاف الجوي وتحترق، تترك دخانًا رقيقًا من الجسيمات الدقيقة على ارتفاع يتراوح بين 60 و100 كيلومتر فوق سطح الأرض.

وأشار إلى أن غيوم الليل المضيئة سُجلت منذ القرن التاسع عشر في المناطق القطبية الشمالية، إلا أن ملاحظات العقود الأخيرة أظهرت توسعًا تدريجيًا نحو خطوط عرض جنوبية. ويرى الباحث أن هذا التوسع قد يرتبط بالتغير المناخي وارتفاع مستويات غاز الميثان، أحد الغازات الدفيئة المهمة. عندما يصل الميثان إلى طبقات الغلاف الجوي العليا، يتأكسد عبر سلسلة من التفاعلات الكيميائية منتجًا بخار ماء، وهو ما يعزز ظروف تكوين بلورات الجليد الخاصة بهذه الغيوم.

خصائص اللون الأزرق وتأثير النشاط الشمسي

يعود اللون الأزرق الساطع للغيوم إلى صغر حجم بلورات الجليد؛ فالجسيمات الصغيرة تبعثر الأطوال الموجية القصيرة للضوء الأزرق بكفاءة أعلى من الأطوال الطويلة للضوء الأحمر، ما يجعل الضوء المتناثر يميل إلى اللون الأزرق عند رؤيته من سطح الأرض.

كما أظهرت الدراسات أن غيوم الليل المضيئة قد تزداد كثافة خلال فترات الحد الأدنى من نشاط الدورة الشمسية، حيث تسهم الظروف الباردة نسبياً في أعلى الغلاف الجوي في تعزيز تكوين بلورات الجليد حول دخان الشهب.

انتشار الظاهرة وملاحظاتها في مناطق غير قطبية

سُجلت مشاهدات متفرقة لهذه الغيوم في خطوط عرض أقل من المعتاد، خاصةً في بعض مناطق جنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط. يُعتقد أن التغيرات المناخية وزيادة بخار الماء في الطبقات العليا من الغلاف الجوي قد يسهمان في توسيع نطاق ظهورها بعيدًا عن القطبين.

في المملكة العربية السعودية، يبقى احتمال رصد غيوم الليل المضيئة ضعيفًا للغاية؛ فالسحب المضيئة التي قد تُرى ليلًا غالبًا ما تكون سحبًا مرتفعة مضاءة بعد الغروب أو ظواهر جوية أخرى، ولا تمثل الظاهرة الحقيقية.

وعلى الرغم من جمالها، تبقى مشاهدتها مقصورة على المناطق الواقعة بين دائرتي عرض 50 و65 درجة شمالًا وجنوبًا. لذا فإن رؤيتها في المملكة ومعظم دول العالم العربي تُعد نادرة جدًا بسبب البعد الجغرافي عن القطبين.

يؤكد أبو زاهرة أن غيوم الليل المضيئة لا تزال تحتفظ بالكثير من الغموض العلمي، رغم تعدد الفرضيات. ما هو واضح هو أن دخان الشهب يلعب دورًا أساسيًا في نشوء هذه الغيوم، في حين يبقى السبب الدقيق وراء ازدياد سطوعها وانتشارها موضوعًا للبحث المستمر.

للنشر و الاعلان