عاجل
٢١ محرم ١٤٤٨ هـ| الثلاثاء، 7 يوليو 2026
الرياض +18°C

إعادة نظر في تأهيل مدربي كرة القدم السعودية لبناء مستقبل مستدام

07/07/2026 09:01

إذا كان الحديث يخص مشروعاً وطنياً يمتد إلى كأس العالم 2034، فإن بناء مستقبل الكرة السعودية لا يمكن أن يتم دون إعداد الإنسان الذي سيقود هذا المستقبل. فالمتطور لا يحدث لوحده، والموهبة لا تنمو من نفسها؛ بل تحتاج إلى مدرب مؤهل علمياً، يفهم كرة القدم الحديثة، ويمتلك أدوات التعليم والتطوير، وليس مجرد خبرة ميدانية فقط.

غياب الأكاديميات المتخصصة لتأهيل المدربين

المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود أكاديميات ومعاهد متخصصة تُعد المدربين السعوديين بصورة احترافية. أين البرامج الأكاديمية المستمرة التي تجمع بين علوم التدريب، وعلم النفس الرياضي، والقيادة، والتحليل الفني، وعلوم الحركة، والتغذية، وتحليل البيانات، وإدارة المواهب؟ إن افتقارنا لمنظومة متخصصة لصناعة المدرب يجعل من الصعب توقع وجود منظومة قادرة على صناعة اللاعب.

حلول سطحية وقرارات مؤقتة

لقد ملّنا من الحلول السريعة التي تقابل كل إخفاق، ومن القرارات المؤقتة التي تظهر مع كل أزمة بينما يبقى أصل المشكلة دون معالجة. كرة القدم لا تُبنى بردود الأفعال، بل بالمشروعات طويلة الأمد. الدول التي تتصدر اليوم الساحة الكروية لم تبدأ بلاعبين عظماء، بل بدأت بإنشاء مدارس تدريبية صنعت هوية كروية واضحة، ثم خرج منها اللاعبون والأجيال.

الاعتماد على المدرب الأجنبي ليس حلاً دائماً

ما زلنا نعتقد أن استقدام المدرب الأجنبي هو الحل الدائم. لا ينكر أحد أن مدربين أجانب كبار قدموا إضافات حقيقية لكرة القدم السعودية، لكن لا يمكن أن يصبح الاستيراد مشروعاً دائماً. فهناك مدربون يأتون بعقود ضخمة ويغادرون بعد أشهر قليلة دون أن يتركوا أثراً حقيقياً، وبعضهم ينظر إلى المهمة كمحطة مالية أكثر من كونها مشروعاً وطنياً طويل المدى، لأن مستوى الانتماء والمسؤولية لن يكون غالباً كما هو عند مدرب تربى داخل المنظومة ويؤمن بمستقبلها.

الاستثمار الحقيقي في المدرب السعودي

لذا فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يتجه إلى المدرب السعودي، ليس بدافع الوطنية فقط، بل لأن بناء الكفاءات المحلية هو الضمان الوحيد للاستدامة. المدرب الوطني لن ينجح لمجرد أنه سعودي، بل لأنه سيُصنع داخل منظومة علمية متخصصة تمنحه المعرفة والخبرة والفرصة والتمكين الحقيقي.

كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على الحدس والخبرة الشخصية فقط، بل أصبحت علمًا قائماً بذاته. المدرب اليوم يحتاج إلى فهم عميق للتحليل الرقمي، وإدارة الأحمال البدنية، وعلم النفس الرياضي، وتطوير المواهب، والتواصل القيادي، وصناعة الثقافة داخل الفريق. هذه المهارات لا تُكتسب بالممارسة وحدها، بل تحتاج إلى تعليم أكاديمي مستمر ومعاهد متخصصة تجعل التعلم جزءاً من حياة المدرب المهنية.

بناء المدرب يبني هوية كروية وطنية

كما أن بناء المدرب يعني بناء هوية كروية وطنية. عندما يتخرج جميع المدربين من منظومة تعليمية واحدة، تبدأ الفلسفة الكروية بالانتقال من الأكاديميات إلى الأندية ثم إلى المنتخبات، مما يؤدي إلى أسلوب لعب واضح، ولغة تدريب مشتركة، وفهم موحد لتطوير اللاعب. أما عندما يعمل كل مدرب وفق اجتهاده الشخصي، فإننا نحصل على منظومات متفرقة لا يجمعها مشروع واحد.

إذا كنا نحلم بمنتخب ينافس في كأس العالم 2034، فإن الطريق لا يبدأ من المنتخب الأول، بل من قاعة دراسية يجلس فيها مدرب شاب يتعلم كيف يصنع لاعباً محترفاً. يبدأ من معهد متخصص يؤمن بأن المدرب أهم استثمار في كرة القدم، لأنه الشخص الذي يصنع كل ما يأتي بعده.

كرة القدم السعودية لا تحتاج إلى تغيير أسماء بقدر ما تحتاج إلى تغيير فلسفة. فلسفة تؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء الفريق، وأن صناعة المدرب هي الخطوة الأولى لصناعة اللاعب، وأن الاستثمار في المعرفة أبقى أثراً من الاستثمار في الحلول المؤقتة.

ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: من سيدرب المنتخب القادم؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر عمقاً: من سيصنع المدربين الذين سيقودون كرة القدم السعودية خلال الثلاثين عاماً القادمة؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية التحول الحقيقي.

آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: من سيدرب المنتخب؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر عمقاً: من سيصنع المدربين الذين سيقودون كرة القدم السعودية خلال الثلاثين عاماً المقبلة؟