عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +12°C

نادي «اقرأ وفكر» يناقش أسرار الاستعارة وتأثيرها في تشكيل رؤية الإنسان للعالم

12/07/2026 01:01

في أمسية ثقافية أعادت للغة رونقها الأول، عقد نادي «اقرأ وفكر» لقاءه في مجمع «مدينتي» الواقع بحي المغرزات، حيث خُصصت الجلسة لمناقشة كتاب «أنا هو الآخر» للمؤلف جيمس غيري، والذي نقله إلى العربية متعب فهد الشمري. وقدمت قراءة تحليلية للكتاب منيرة العصيمي، بحضور مجموعة من المهتمين بالقراءة والشأن الفكري واللغوي.

الاستعارة: من الزينة البلاغية إلى أداة تفكير خفية

حمل اللقاء عنوان «أسرار الاستعارة اللغوية وكيف تشكّل رؤيتنا للعالم الذي نعيشه؟»، ليفتح المجال أمام تأملات عميقة حول الاستعارة، لا باعتبارها مجرد حلية بلاغية أو درساً تقليدياً في المشبه والمشبه به ووجه الشبه، بل بوصفها طريقة غير ظاهرة يفكر بها الإنسان، ويقرأ من خلالها العالم، ويمنح الأشياء أسماء وصوراً ودلالات تتجاوز مظهرها السطحي.

تناولت المناقشة فكرة أن الإنسان لا يقتصر استخدامه للاستعارة على الشعر والأدب، بل يستخدمها دون وعي في حديثه اليومي، مثل قول «غارق في الحب»، و«مثقل بالديون»، و«صعد السهم»، و«انهار السوق»، و«اشتعلت الحرب»، و«انطفأ الشغف». هذه العبارات المألوفة تكشف قدرة اللغة المجازية على تحويل المعاني المجردة إلى صور ملموسة، مما يجعل التجربة الإنسانية أقرب إلى الذاكرة والفهم.

حضور الاستعارة في السياسة والاقتصاد والإعلان

وناقش الحضور أيضاً حضور الاستعارة في الخطاب السياسي، حيث تتكرر تعابير مثل «الحرب ضد الإرهاب» و«الحرب ضد المخدرات»، وهي عبارات لا تصف الواقع وصفاً محايداً، بل تستدعي مفردات المواجهة والخطر والانتصار والخسارة، مما يجعل المجاز قوة مؤثرة في تشكيل وعي المتلقي، وليس مجرد خيار لغوي عابر.

وامتد النقاش ليشمل الاقتصاد ولغة المال والديون، من خلال صور مجازية تربط بين المال والمكانة الاجتماعية، وتظهر كيف يمكن للأشياء أن تتحول من أدوات للراحة إلى أعباء رمزية. فالإنسان قد يكون سيداً لأشيائه البسيطة، ثم يصبح عبداً لمظهره الجديد حين يقع تحت ضغط الوجاهة الاجتماعية، ليغدو المال الذي يفترض أن يمنحه حرية أوسع، سبباً في التزامه بصورة معينة أمام الآخرين.

وحضر الإعلان التجاري بوصفه مجالاً واسعاً للمجاز، إذ لا يبيع الإعلان المنتج وحده، بل يبيع صورة ورغبة ووعداً غير مباشر. فالوجبات السريعة، على سبيل المثال، لا تُقدم بوصفها طعاماً فقط، بل تُربط في الإعلان بالمتعة والسرعة والعائلة والنجاح الاجتماعي، لتصبح اللغة البصرية والعبارة المختصرة واللون والإيماءة أدوات للتأثير في المتلقي واستقطاب انتباهه.

الإيماءات والحكايات الشعبية: لغة مجازية صامتة

وتطرق اللقاء كذلك إلى لغة الإيماءات باعتبارها لغة مجازية صامتة؛ فحركة اليد، وطريقة الوقوف، ونبرة الصوت، قد تحمل من المعاني ما يتجاوز الكلام المباشر. كما جرى الحديث عن الحكايات الشعبية والقصص القديمة، ومنها حكاية الملا نصر الدين التي تكشف المفارقة بين العلم النظري والمهارة العملية، حين يتباهى العالم بمعرفته بالنحو، ثم يعجز عن السباحة ساعة الخطر.

وأكدت المداخلات أن قيمة كتاب «أنا هو الآخر» تكمن في إخراج الاستعارة من حدود الدرس البلاغي التقليدي إلى فضاء أوسع يجعلها جزءاً من التفكير الإنساني. فالاستعارة ليست ترفاً لغوياً، بل أداة لفهم الذات والعالم، وقد تكون وسيلة للكشف والإضاءة، كما قد تتحول أحياناً إلى أداة للتأثير أو التلاعب حين تُستخدم في السياسة أو الإعلان أو الخطاب العام.

واختُتم اللقاء بشكر الحضور والمشاركين، والتأكيد على أهمية استمرار اللقاءات القرائية التي تعيد للقراءة حضورها الحي، وتفتح أمام المتلقي آفاقاً أوسع لفهم اللغة والفكر والحياة، وتؤكد أن الإنسان لا يعيش داخل اللغة فحسب، بل داخل الاستعارات التي تصنع طريقته في النظر إلى العالم.