قفزة إنتاجية تعيد تشكيل المشهد المائي
تتسارع خطى التحول في قطاع المياه السعودي على مستوى إدارة الموارد والأصول، إذ يجري العمل على تحسين كفاءة التشغيل ورفع مستوى الاعتمادية في شبكات الإمداد، بما يدعم تحقيق الاستدامة والأمن المائي مستقبلاً.
ومن أبرز المؤشرات التي تعكس هذا التقدم، الإعلان عن نجاح أعمال تحلية المياه – الذراع التشغيلية للهيئة السعودية للمياه – خلال العامين الماضيين في زيادة إجمالي الطاقة الإنتاجية لأكثر من 400 محطة مخصصة لتحلية المياه الجوفية والسطحية بأكثر من 1.5 مليون متر مكعب يومياً، ليتجاوز الإنتاج الإجمالي لهذه المحطات حاجز الأربعة ملايين متر مكعب يومياً.
لا تقتصر أهمية هذا الإنجاز على الرقم القياسي في الطاقة الإنتاجية، بل تمتد إلى الكيفية التي تحقق بها، عبر تطوير الأصول الموجودة، وتحسين عمليات التشغيل والصيانة، وتقوية إجراءات مراقبة الجودة. ويجسد هذا النهج مفهوماً متقدماً في إدارة القطاعات الحيوية يقوم على الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة ورفع كفاءتها، مع الاستمرار في إنشاء أصول جديدة عند الحاجة.
وتمنح هذه المحطات أهمية إضافية بفضل توزعها الجغرافي الواسع في مختلف مناطق المملكة، ما يجعلها مصدراً مهماً لدعم منظومة الإمداد المائي وتعزيز تكاملها مع قدرات تحلية مياه البحر. كما أن تنوع مصادر المياه وتوزيعها المكاني يسهم في زيادة مرونة المنظومة وقدرتها على التأقلم مع تغيرات الطلب، وضمان استمرارية الإمداد في شتى الظروف.
مكاسب بيئية واقتصادية متوازية
ولم يقتصر التطوير على رفع الإنتاج، بل ارتبط أيضاً بكفاءة الطاقة والاستدامة البيئية. فقد شملت أعمال التطوير ربط عدد من المحطات بالشبكة الكهربائية، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، وهو ما أدى إلى إزاحة أكثر من 400 ألف برميل مكافئ من الوقود السائل سنوياً، وخفض الانبعاثات الكربونية بمقدار 170 ألف طن سنوياً.
وتتجاوز هذه الأرقام حدود الوفورات التشغيلية والمكاسب البيئية؛ إذ تعكس تحولاً جوهرياً في منهجية إدارة قطاع المياه، حيث أصبحت كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات جزءاً لا يتجزأ من عملية تطوير المنظومة. فالاستثمار في رفع كفاءة المحطات الحالية يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية وبيئية في الوقت نفسه، ويعزز استدامة الموارد على المدى الطويل.
حوكمة جديدة للمسار المائي
وفي إطار الجهود الرامية إلى إعادة تنظيم القطاع وتطوير نموذج الحوكمة، تم توقيع اتفاقية بين أعمال تحلية المياه وشركة حلول المياه تقضي بإسناد مهام الإدارة والإشراف على محطات تحلية المياه الجوفية والسطحية إلى الأخيرة. وتندرج هذه الاتفاقية ضمن مسار أوسع لاستكمال الهيكلة المؤسسية لقطاع المياه، وفصل الأدوار بين مراحل الإنتاج والتوزيع والتنظيم، بما يتوافق مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للمياه 2030.
ومن الناحية الاقتصادية والإدارية، يشكل وضوح الأدوار والمسؤوليات بين الأطراف المختلفة ركيزة أساسية لرفع كفاءة اتخاذ القرار، وتحسين إدارة الأصول والإنفاق، وتعزيز جودة الخدمات وموثوقيتها. كما أن إعادة توزيع الاختصاصات بشكل واضح تساعد على قياس الأداء والمساءلة، وتتيح لكل جهة التركيز على مهامها وفق أفضل الممارسات.
تطوير الأصول بالتوازي مع بناء الكفاءات
ويبرز هنا جانب آخر جدير بالاهتمام، وهو أن عملية التطوير تجري بالتوازي مع الحفاظ على الكفاءات الوطنية والخبرات المتراكمة. فاستمرار الكوادر الوطنية في تنفيذ مهام التشغيل والصيانة، بينما تتولى شركة حلول المياه مسؤولية إدارة المحطات والإشراف على تلك الأعمال، يعكس نموذجاً يجمع بين توظيف الخبرات المتخصصة والحفاظ على رأس المال البشري الوطني وتطويره.
ويُعَد هذا الجانب في غاية الأهمية؛ إذ لا يمكن اكتمال تطوير البنية التحتية من دون وجود قدرات بشرية قادرة على تشغيلها وإدارتها بكفاءة. وقطاع المياه، بوصفه من القطاعات المرتبطة مباشرة بالأمن الوطني والاقتصادي، يتطلب كوادر وطنية متخصصة تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على مواكبة التقنيات الحديثة.
وتستحق هذه الأرقام التوقف عندها؛ فهي لا تعكس مجرد زيادة في إنتاج المياه، بل تحولاً متكاملاً في طريقة إدارة الموارد المائية في المملكة، يرتكز على رفع كفاءة الأصول، وتحسين استهلاك الطاقة، وخفض الانبعاثات، وتنويع مصادر الإمداد، وإعادة تنظيم الأدوار، والاستثمار في الكفاءات الوطنية.
وفي المحصلة، ووسط محدودية الموارد المائية الطبيعية في المملكة، بات تعزيز الأمن المائي مرتبطاً ليس فقط بزيادة الإنتاج، بل بكفاءة إدارة كل قطرة مياه، ورفع موثوقية المحطات والشبكات، وتنويع مصادر الإمداد، والاستفادة من التقنيات الحديثة، وبناء منظومة مؤسسية أكثر كفاءة ومرونة.
ومن هنا، يمثل تطوير قطاع المياه أكثر من مجرد مشروع خدمي؛ إنه استثمار استراتيجي في مستقبل المملكة واقتصادها واستدامتها. وما تحقق خلال العامين الماضيين يؤكد أن رحلة تطوير القطاع لا تقتصر على إضافة قدرات إنتاجية جديدة، بل تمتد إلى إعادة تعريف مفهومي الكفاءة والاستدامة في إدارة المياه.
وهذا ما يجعل قطاع المياه أحد المسارات المحورية في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، ويؤكد أن الأمن المائي، إلى جانب كونه ضرورة حياتية، أصبح اليوم جزءاً أصيلاً من منظومة التنمية الاقتصادية والأمن الوطني، واستثماراً طويل الأجل في مستقبل أكثر استدامة للمملكة وأجيالها القادمة.






