عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +12°C

أبها نموذجاً جديداً لتخطيط المدن العضوية في عصر ما بعد الصناعة

18/06/2026 07:02

تُشبه المدينة حيةً عضويةً تنمو بتناغم مع سكانها، تتطور يومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر، وتستمر في التوسع على مدار الساعات. بهذا التشبيه تصير المدينة ككائن لا يتوقف عن الازدياد، ويعتمد شكل هذا النمو وتوجيهه على أسس إعمارها، تاريخها وجغرافيتها. يمكن تصنيف المدن بحسب مراحل تطورها، ومن بينها مدن ما بعد الصناعة التي اختلفت جذريًا عن سابقتها.

العضوية الحضرية وأهميتها

تُعنى عضوية أي مدينة في المقام الأول بقدرتها على الاستجابة للمعطيات التاريخية والجغرافية والتركيبة الاجتماعية والاقتصادية لسكانها. كما يلعب موقعها – سواء على ضفاف نهر، أو على طرق القوافل، أو كمنفذ بحري، أو كعاصمة – دورًا محوريًا في تشكيل طابعها. وفي حالة أبها، تهيمن التضاريس الجبلية على تكوينها، لتصبح هذه الطوبوغرافيا العامل الأساسي الذي يحدد مسار تخطيطها المستقبلي.

خط الأفق الجبلي

تُحاط أبها من ثلاث جهات بحزام جبلي يحدد أفقها. من الشمال تمتد سلسلة من القلاع والمرتفعات، بدءًا من قلعة شمسان مرورًا بقلعة أم الركب (متنزه سما أبها) ووصولاً إلى قلعة الدقل. وعلى الجهة الغربية تتواجد جبال الشرقي وجبال كوثران (الشمال والجنوب) وجبل نهران، بينما يحدها من الجنوب جبلا أبو خيال وذرة. يخلق هذا الإطار الجبلي أفقًا بصريًا مميزًا لا ينبغي تشويه أي توسع عمودي قد يعيق تماسكه.

المنخفض المركزي وتوزيع الأحياء

تقع داخل الإطار الجبلي منخفض يتدرج نزولًا من الجوانب الثلاث نحو الوسط، وقد شُيدت على أطرافه أحياء سكنية نشأت في الأصل من مجموعة قرى متفرقة على ضفاف الوادي. استُغل جزء من هذا المنخفض للزراعة، بينما ظل الجزء الآخر غير صالح للاستصلاح، فبقي مساحة مفتوحة ذات طابع تضاريسي. يتشكل نسيج المدينة المتعرج داخل هذا الانحدار وفق ما تسمح به الطبيعة.

وادي أبها ودوره الحيوي

يخترق الوادي قلب المنخفض، مقسماً المدينة إلى نصفين شمالي وجنوبي، ويُعد شريانًا أساسيًا لتاريخها. امتدت على ضفافه مزارع منذ زمن بعيد، ولا سيما في قرية المفتاحة التي تحتضن اليوم شارع الفن، والقرية التشكيلية، ومسرح طلال مداح. رغم أن بعض الجهات سعت لتجميل الوادي عبر تغطيته بمحاذاة شارع الفن، إلا أن هناك حاجة إلى رؤية شمولية تتضمن تحسين الوادي بأكمله، من فندق قصر أبها غربًا إلى أسفل مشيع شرقًا.

العناصر الحدية والرموز المعمارية

تُختتم المنطقة الجنوبية من الإطار بالمنطقة المعروفة باسم “الشفا” أو ممشى الضباب، وهو أحد الحدود التي تُكمل تكوين المشهد الحضري. داخل هذا الفضاء المتحرك يتناثر عدد من المعالم التي تُعرف هوية أبها، بدءًا بساحة البحار التي تُعَدّ محور المدينة، حيث يطل عليها مبنى الإمارة، وجامع الملك عبدالعزيز، والمتحف الوطني. تُضيف أيضًا حي النصب الأثري، وساحة مقابل، ومواقع سياحية أخرى نسيجًا غنيًا للمدينة. تتقاطع هذه العناصر الخمسة لتصبح بعضها حافةً للآخر، كما هو الحال مع ممشى الضباب أو جبل ذرة أو شارع الفن.

تُظهر هذه النظرة الشمولية للمدينة أوجه تشابه مع مبادئ «كيفن لينش» في مفهومه للمدينة الصورية. إن الاطلاع السريع على مخطط أبها يكشف عن إطار غير تقليدي، شبه سداسي تقريبًا يحده طريق الملك عبدالعزيز والحزام الدائري، ضمنه نظام تخطيط إنشائي يفتقر إليه كثير من المخططات الحديثة التي تحولت إلى «قطاعات عقارية» بحتة.