عاجل
١٦ صفر ١٤٤٨ هـ| السبت، 1 أغسطس 2026
الرياض +12°C

خمسة أعوام من الغياب وتأملات في يوم الأب العالمي

23/06/2026 07:01

صادف اليوم الذي يُحتفل فيه بالأب على مستوى العالم ذكرى رحيل والدي، فأخذت أسترجع ذكرياتي إلى سنوات سابقة لا لاستحضار شدة الفقد، بل لاستكشاف ما تركه غيابه من أثر في داخلي. الأيام لا تعيد من رحلوا، لكنها تكشف مع مرور الوقت عن جوانب لم نكن ندركها حين كانوا معنا.

اكتشاف تفاصيل لم نلاحظها من قبل

بعد أن فارق والدي الحياة، بدأت ألاحظ ملامح لم أكن ألتفت إليها من قبل. حين أواجه موقفًا عائليًا معقّدًا، يتسلل إلى ذهني سؤال وحيد: كيف كان والدي سيتصرف في مثل هذه الحالة؟ وعندما أحقق إنجازًا أطمح إليه، يشتد شعوري بأن أول من رغبت في مشاركة فرحتي معه لم يعد حاضرًا. حينها أدركت أن بعض الآباء يرحلون بأجسادهم، لكن قيمهم ومبادئهم تستمر في إرشاد أبنائهم.

ذكريات من الحياة اليومية

ما يبقى في ذاكرتي أكثر هو تفاصيل الروتين اليومي: صوته وهو يسأل عن أحوالنا، نظرة عينيه التي كانت تبعث الطمأنينة قبل أن يلفظ كلمة، حضوره الدائم في مجلس الأسرة، وحرصه المستمر على تجمع أفراد العائلة. تلك اللحظات التي بدت عادية في حينها، اتضح لاحقًا أنها كانت تمنح البيت روحًا خاصة وتغرس في أبنائه شعورًا بالأمان.

معنى الأبوة يتجدد مع الزمن

مع مرور السنوات، تغيرت نظرتي إلى مفهوم الأبوة. لم يعد الأب مجرد من يعمل ويكسب ويصرف، بل هو من يتحمل هموم أسرته بصمت، ويؤجل راحته من أجل راحتهم، ويمنحهم الثقة قبل المال، والاستقرار قبل أي شيء آخر. كثيرًا ما يكتشف الأبناء حجم هذا العطاء عندما يواجهون الحياة دون وجوده.

يوم الأب: فرصة لإعادة النظر في العلاقات

لذا فإن يوم الأب لا يقتصر على كونه مناسبة احتفالية، بل يُعد فرصة لإعادة تقييم علاقتنا بأبائنا. هناك آباء لا يزالون على قيد الحياة، ينتظرون زيارة لا تستغرق سوى ساعة، أو مكالمة تطمئنهم على أحوال أبنائهم، أو جلسة عائلية يستمعون فيها إلى أحاديث من كدوا من أجلهم. هذه اللحظات البسيطة قد تكون بالنسبة لهم أعظم ما يمكن أن يحصل.

أما من فقد والده، فيدرك أن البر لا ينتهي بوفاته. باب الدعاء يظل مفتوحًا، والصدقة تستمر، وصلة الرحم التي كان يعتز بها لا تنقطع، وكل خلق حسن تعلمه منه يظل صورة من صور الوفاء. يتحول الغياب من ألم خالص إلى مسؤولية: مسؤولية الحفاظ على أثره وإبقاء سيرته الطيبة حاضرة في حياتنا.

وبالنسبة لي، كل عام جديد يزداد يقيني بأن والدي لم يترك لي مجرد ذكرى، بل ترك لي منهجًا أرجع إليه كلما تعثرت خطواتي. وهذا، في نظري، هو أعظم ما يمكن أن يورّثه الأب لأبنائه.

رحم الله والدي، ورحم جميع الآباء الذين غادروا الحياة، وحفظ الله الآباء الأحياء. فمن كان والده إلى جواره فليستغل هذه النعمة، ولينعم بوقته واهتمامه. أما من فقد والده، فليظل الدعاء حاضرًا، فهو لغة البر التي لا تنقطع، وجسر المحبة الذي يمتد إلى ما بعد الرحيل.